تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال: فارهني إذا رفيقك، وإلا فأرى تمزيقك.

وتضرعنا كثيرا فما أجدى، أخذ رفيقي وتركني فردا.

وكان رفيقي ثلاثة أمثالي في السمن، وكذلك كان في اللطف والجمال والبدن.

قطعت بهذا الأسد طريقنا، وقد أخبرناك وهذا أمرنا.

فايأس بعد من الوظيفة ولا تنتظر، الحق نقول لك (والحق مر).

إن أردت الوظيفة فطهر الطريق، هلم فادفع عنا هذا الصفيق.

الأسد :

بسم الله، هلم فأريني أين يقيم، تقدمي إن كنت ذا قول مستقيم.

لأجزيه عن جرمه مائتين، وإن كنت كاذبة جعلت هذا جزاء المين.

فتقدمت كالدليل أمامه، لتقوده إلى شرك قدامه. إلى بئر عميقة قد أعلمتها، وشركا لروحه جعلتها.

تقدم كلاهما حتى قاربا الجب، كالماء تحت التبن هذه الأرنب.

يحمل الماء الغثاء إلى البيداء، فوا عجبا كيف يحمل الجبل الماء.

46

كان مكرها للأسد حبالة، فأعجب من أرنب لأسد مغتالة.

استجر فرعون وجنده الثقيل، موسى واحد إلى نهر النيل.

47

وقد شقت رأس نمرود الطماح، بعوضة واحدة بنصف جناح.

ذاك حال من استمع للعدو اللدود، وجزاء من صادق الحسود.

وحال فرعون أصاخ لهامان، وحال نمرود أطاع الشيطان.

48

عدو وإن ادعى الحب، وشبكة وإن حدثك عن الحب.

إن أعطاك عسلا فاعلمه سما، وإن أراك لطفا فاعرفه قهرا وغما.

لا ترى غير الظاهر إذا حم القضاء، ولا تميز الأعداء من الأصدقاء.

فإذا نزل هذا فعليك الابتهال، والتضرع والصوم وتسبيح المتعال.

اضرع وقل يا علام يا ديان، لا تحطمنا برحى الامتحان.

إن فعلنا فعل الكلاب يا خالق الآساد، فلا تجعل الأسد لنا بالمرصاد. (يا كريم العفو ستار العيوب)، لا تؤاخذنا بأوقار الذنوب.

لا تعط صورة النار للماء اللطيف، ولا صورة الماء للهب المخيف.

إنك إن تسكرنا بشراب القهر، صورت المعدوم كالموجود للفكر.

ما السكر؟ أن تحجب العين عن البصر، فترى اللطيف كالخشن، والجوهر كالحجر.

ما السكر؟ أن الحس يبدل، فإذا الطرفاء في النظر كالصندل.

إحجام الأرنب حينما اقتربت من الجب

49

وحينما اقترب من الجب الغضنفر، رأى الأرنب محجمة تتقهقر.

الأسد :

لماذا أحجمت ولم تقدمي، لا تقفي الرجل ولا تحجمي.

الأرنب :

أين رجلي؟ ذهبت الرجل واليد، لقد زال قلبي وجسمي ارتعد.

ألا ترى وجهي كالذهب أصفر، في لوني عن ضميري خبر.

سمى الحق السيما معرفة، فلعين العارف بالسيما معرفة.

50

إن لون الوجه نمام كالجرس، وينبيك عن الفرس صوت الفرس.

في صوت كل شيء عنه إعراب، لتعرف صوت الحمار من صوت الباب.

قال الرسول لتمييز الإنسان: «المرء مخبوء تحت اللسان.»

لون الوجه يحدث بحال القلب، فارحمني وأشعر قلبك الحب.

إن في حمرة الوجه صوت الشكر، وفي صفرة الوجه الجزع والنكر.

قد دهاني ما غل رجلي ويدي، وذهب بلوني وسيماي وجلدي.

هذا الذي إن مس شيئا كسره، ويخلع من جذورها كل شجرة.

قد دهاني ذا الذي من هوله مات، الآدمي والحيوان والجماد والنبات.

دع هذه الأجزاء فالكليات، منه فاسدة الريح مصفرات.

فالعالم صابر حينا وحينا شاكر،

51

والبستان حينا ذابل وحينا ناضر.

بل الشمس التي تطلع كالنار، تراها ساعة أخرى في اصفرار.

بل الكواكب التي تضيء الآفاق، تبلى في الحين بعد الحين لاحتراق.

52

والقمر الذي يفوق النجم في الجمال، يرده النصب دقيقا كالخيال.

وهذه الأرض الساكنة الطائعة، يجعلها الزلزال للحمى ضارعة.

وهذا الهواء وهو بالروح مقترن، إن جاء القضاء فهو وباء عفن.

وأخو الروح الماء النمير، يمر ويكدر ويأسن في الغدير.

والنار ذات الصلف والكبرياء، تهب عليها ريح بالفناء.

ومن اضطراب البحر وزخيره، تدرك تغيرا في شعوره.

والفلك الحائر الذي لا يفتر، حاله كحال أولاده في تغير.

فهو بين الحضيض والوسط والأوج، وفيه من النحس والسعد فوج بعد فوج.

أيها الجزئي المركب من الكليات! اعرف في نفسك حال المنبسطات.

53

للكليات نصب وغم، فكيف يخلو جزؤها من الهم.

فصول من المثنوي · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فصول من المثنويص ٢٨