ولزاهد ستمائة ألف سنة، صنع كمامة كالعجول المرسنة
18
لئلا يرضع من علم الدين السديد، ولا يطيف بهذا القصر المشيد.
هذه الكمامة علوم أهل الحس الوضيع، تمنعهم أن يرضعوا ذلك العلم الرفيع.
قد منح الحق قطرة القلب جوهرا، لم يعطه السموات والأبحرا.
19
يا عابد الصورة حتام بها تغر، لم تخلص روحك المسكينة من الصور.
لو كان الإنسان آدميا بالشكل، لكان سواء أحمد وأبو جهل. إن النقش على الجدار كالآدمي، انظر ماذا ينقص من الشكل السوي؟ تعوز الروح هذا التصوير الناضر، هلم فاطلب ذلك الجوهر النادر.
إن كلب أصحاب الكهف حين سعد، أقر له في العالم كل أسد. ما عابه هذا الشكل الحقير، إذ غرقت روحه في بحر النور.
وما عنيت بوصف الصور الأقلام، بل وصفت الكتب العدول والأعلام. في العالم والعادل كل المعنى ، لا تجده حيثما سرت من الدنيا. يهبط على الجسم من عالم اللامكان، إن شمس الروح تضيق بالفلك والأكوان. لا نهاية لهذا الكلام المعجب، أرجع الفكر إلى قصة الأرنب.
بع أذن الحمار واشتر أذنا أخرى، فلن تعي أذن الحمار هذه النجوى.
20
اذهب اذهب فانظر لعب الأرنب، كيف خر لمكرها الأسد المعجب.
خاتم ملك سليمان العلم، العلم روح والعالم جسم. ذل للإنسان بهذا الكمال، خلق البحار والصحاري والجبال.
فالنمر والأسد من هيبته كالفار، وفي فزع واضطراب منه تنين البحار. وقد تجنبه العفريت والجني، فأوى كل إلى مكان خفي.
وكم للإنسان من عدو مستتر، فإنما الآدمي العاقل من حذر. هذه الخفايا أخيارا وأشرارا، تضرب على قلب الإنسان أسرارا. تذهب للاغتسال في النهر، فيصيبك من الشوك في الماء ضرر. هو وإن لم تدركه عيناك، يخزك فتعلم أنه هناك.
21
وهناك أشواك الأغراء والوسواس، من آلاف لا واحد من الناس.
فاصبر حتى يتبدل حسك، لترى هذه الخفايا ويسهل صعبك.
وتعلم من كلامه رددت؟ ومن على نفسك سودت؟
الصيد :
أيها الأرنب الذكي، أبن عن إدراكك الخفي. إيه يا من للأسد تصديت، أعرب عن رأيك الذي رأيت.
إن المشورة تهب الإدراك والرشد. وكل عقل هو للعقل مدد. قال الرسول: يا ذا الرأي الحسن، استشر فالمستشار مؤتمن.
الأرنب :
لا بد للسر من كتمان، فقد يقع ما ليس في الحسبان.
22
إن تنفست في مرآة صافية، غامت ولم تبق لوجهك حاكية. لا تحرك بهذه الثلاثة شفتك، ذهابك وذهبك ومذهبك. كم لهذه الثلاثة من عدو خصم، يكمن لك إذا بالسر علم، وإن أفشيته لواحد فالوداع، (كل سر جاوز الاثنين شاع)
لا حد لهذا الكلام فعليك الرجوع، قد آلمت الأرنب الأسد بالجوع.
أخفت الأرنب تدبيرها، ولم يتبين القوم تفكيرها.
مكر الأرنب بالأسد
تأخرت ساعة في المسير، ثم مثلت عند الأسد الهصور. وكان الأسد بما أبطأت في الذهاب، يزأر ويثير ببراثنه التراب.
الأسد :
قلت إن عهد هؤلاء اللؤماء، رخو ضعيف لا يثمر الوفاء.
ردتني وسوستهم دون الحمار، كم يخدعني هذا الدهر الغرار!
ما أعجز الأمير ذا اللحية الحمقاء، حين يشتبه عليه الأمام والوراء.
الطريق سوي وتحته حبالة، واللفظ مونق وفي المعنى جهالة.
الألفاظ والكتب كالشباك لنا، واللفظ الحلو كالرمل لماء عمرنا.
23
والرمل الذي ينبجس الماء منه، جد نادر فاطلبه واسأل عنه.
ذلك الرمل يا بني رجل الله، انفصل عن نفسه واتصل بالإله.
يجيش منه للدين عذب الماء، فللطالبين به حياة ونماء.
وغير هذا رمل ظمآن، يشرب ماء حياتك كل آن.
اطلب الحكمة أيها الحكيم، فإنما أنت بها بصير وعليم.
يصير منبعا للحكمة من لها طلب، ويفرغ من تحصيل السبب.
يصير - وهو اللوح الحافظ - لوحا محفوظا، ويصير عقله من الروح محظوظا. كان العقل له معلما، فصار تلميذا متعلما.
فالعقل كجبريل يقول: يا أحمد معذرة، أحترق إن تقدمت أنملة.
فدعني هنا وتقدم ولا جناح، ذاك حدي يا سلطان الأرواح.
24
كل من أعجزه الضعف عن الشكر والصبر، توهم أن قيد رجله الجبر، ومن تعلل بالجبر أمرض نفسه، حتى يورده المرض رمسه.