12
فأمر الريح أن تحمله على الماء، إلى أرض الهند في مضاء. وفي الغد ساعة الديوان، قال لعزرائيل سليمان: لقد أفزعت الرجل بالنظر الحديد، فهجر وطنه إلى بلد بعيد. نظرت إليه نظرة غاضبة، فإذا روحه من الهلع ذاهبة. عجبا أتفعل هذا به، لتخرجه من داره وأهله؟ قال: يا ملك العالم المنقطع المثال، لقد أخطأ الرجل وأضله الخيال. ما نظرت إليه من غضب، ولكن ملكني إذ رأيته العجب. فقد أمرني الحق الديان، أن أقبض روحه اليوم في هندستان.
فقلت: لو أن له ألف جناح ، ما استطاع إلى الهند الرواح. فلما بلغت الهند بأمر الديان، قبضت روحه في ذلك المكان.
فقس أمور للناس على هذا المثال، وأنعم النظر ودع الخيال. ممن نفر؟ من أنفسنا؟ أي محال! وممن نهرب؟ من الحق؟ أي وبال!
الأسد :
أجل ولكن أيها المكابر ألا تستبين، جهد الأنبياء والمؤمنين. وقد مدح الحق تعالى جهدهم، وشكر في الحر والبرد سعيهم. كل ما لهم واحتيالهم لطيف، (كل شيء من ظريف هو ظريف
13
نالت شباكهم طائر السماء، وكان كل نقص لهم إلى نماء. فاجهد ما استطعت يا ذا العلاء، في سبيل الأنبياء والأولياء. ليس الجهاد مغالبة المقدور، فهو كذلك من القضاء المسطور. كافر أنا إن يك في فعل الإنسان، في طريق الطاعة والإيمان خسران. لست مشجوجا فلا تعصب رأسك، اصبر قليلا ثم اضحك دهرك. من طلب الدنيا فقد طلب المحال، ومن أراد العقبى فقد ابتغى خير حال. والمكر في طلب الدنيا حمق، وهو في ترك الدنيا حق.
إنما المكر الحق ما صدع سجنك، والمكر الباطل ما سد منفذك. الدنيا سجن ونحن السجناء، فاهدم السجن واخلص من العناء. ما الدنيا؟ هي الغفلة عن الله الصمد، لا الرياش والفضة والزوج والولد. إن المال تحمله من أجل الدين، سماه المال الصالح خير المرسلين.
14
الماء في السفينة لها هلاك، والماء تحت السفينة لها ملاك. نفى المال والملك من قلبه سليمان، فلم يعد نفسه إلا مسكينا في ذلك السلطان. إن الإبريق المفدم يسير على الماء، طافيا يملأ قلبه الهواء. فإذا حوى الفقير في باطنه الخلاء، سار فوق هذه الدأماء. ولو كان ملك العالم في يده، لم يكن الملك شيئا في قلبه
15
فاربط على القلب وعليه اختمن، واملأه هواء كبر من لدن.
16
وساق الأسد البراهين على هذا النسق حتى عجز هؤلاء الجبريون عن الجواب. فترك الثعلب والأرنب والغزال، الجدل في الجبر والقيل والقال. وعاهدوا الأسد الهصور، ألا يناله من هذه البيعة محذور. وليأتينه نصيبه كل يوم بغير طلب وجهد. فكانوا كلما نالت القرعة واحدا منها ذهب إلى الأسد مسارعا. فلما دارت على الأرنب هذه الكاس صاحت: إلام هذا الجور؟
الصيد :
قد لبثنا هذا الدهر المديد، نبذل الأرواح في الوفاء بالعهود. فلا تسئ سمعتنا أيها العنود، اذهب اذهب إلى الأسد غير وئيد.
الأرنب :
مهلا مهلا أيها الأحباء؛ لتخلصوا بمكري من هذا البلاء. لتأمن بمكري أرواحكن، ويرث الأمان أولادكن. كذلك كل نبي في هذه الدنيا، دعا أمته إلى الخلاص من البلوى. عرفت طريق الخروج من الفلك بصائرهم، وإن ضؤلت في الأبصار مظاهرهم. رآهم الناس كإنسان العين صغارا، ولم يعرفوا لإنسان العين مقدارا.
الصيد :
أيها الحمار أرع سمعك، واجعل على قدر الأرنب صنعك
17
أي غرور هذا وأي ادعاء، لم يخطر على بال الكبراء.
معجب أنت أو أتيح لنا القضاء، وإلا فكيف يليق بمثلك هذا الهراء.
الأرنب :
أيها الأصدقاء ألهمني الحق اللطيف، ورب رأي قوي قدر لضعيف.
فالذي أوحاه إلى النحل الحق الصمد، لم يتح لحمار الوحش ولا الأسد.
ملأت بيوتا من الشهد عجابا، إذ فتح الله لها من العلم بابا. وهل اهتدى الفيل الكبير، إلى ما علم الحق دود الحرير. وتعلم آدم الترابي من الخلاق، فأنار علمه السبع الطباق. وغض آدم من قدر الملك، لقد عمي من هو من الحق في شك.