وليس هذا المعنى بعيدا عما فسر به بعض الصوفية الفقر.
ففي رسالة القشيري: سئل يحيى بن معاذ عن الفقر، فقال: «حقيقته ألا يستغنى إلا بالله.»
وقال الشبلي: أدنى علامات الفقر أن لو كانت الدنيا بأسرها لأحد فأنفقها في يوم، ثم خطر له أن لو أمسك منها قوت يوم ما صدق في فقره.
وفي الرسالة أيضا: وقيل: صحة الفقر ألا يستغني الفقير في فقره بشيء إلا بمن إليه فقره.
وفي كتاب عوارف المعارف للسهروردي: وقال الكتاني: إذا صح الافتقار إلى الله تعالى صح الغنى بالله تعالى؛ لأنهما حالان لا يتم أحدهما إلا بالآخر.
فترى أن الفقر في هذا الكلام ليس عدم الملك وفوات المال؛ ولكن ألا يرتبط الإنسان بما أدرك أو بما فات، أعني: ألا تكون الدنيا في قلبه؛ وإن كانت في يده.
قلندر
يعني به إقبال الإنسان الذي لا يصل نفسه بمال ولا أهل ولا دار.
وهو في الأصل اسم رجل ذهب هذا المذهب وأحدث طريقة كان سالكوها يديمون السفر لا يلبثون في مكان، ولا يقيدهم ملك ولا أهل ولا وطن، ويحلقون رءوسهم ولحاهم.
وسمي سالك هذه الطريقة: قلندرا؛ باسم صاحب الطريقة.
وقد رأيت أن أبقي اللفظ في الترجمة؛ لأنه علم في الأصل، وجعلته أحيانا وصفا وأحيانا نسبت إليه فقلت: القلندر والقلندري.
الجنون
يكرر الشاعر ذكر الجنون في هذا الديوان؛ ففي القطعة التي أولها:
إلى عصبات العرب ما أنا منتم
ولا أنا هندي ولا أنا أعجمي
يقول:
فلست أرى في بيدك اليوم جنة
تشب بهذا العقل نار التقدم
وفي القطعة التي أولها:
متاعك في الحياة فنون علم
يقول:
ومزقت الجيوب وأنت خال
جنوني - لا ألومك - في قصور
وفي القطعة، «يا شيخ الحرم»:
في جنوني لك أسرار بدت
فاجزني يا شيخ عن هذا اللمم
وفي القطعة التي عنوانها «المدرسة»:
أبعد الدرس عن حماك جنونا
قال للعقل: لا تلذ بنقاش
وفي القطعة «فلسفة»:
إن في حلقة المجانين عقلا
في شرار يرى لهيبا مضيا
وظاهر أن إقبالا يعني بهذا الجنون الحماس والإقدام وأداء الواجب دون تردد، وفي غير حساب للمشقة والربح والخسارة، فهو قريب من العشق الذي يذكر في مقابلة العقل.
وكأنه يقول: إن هذا الإقدام يعده الناس جنونا، ونحن نحب هذا الجنون.
| ضرب الكليم
فطرة الحر لا تطيق مقاما
فألف السير دائبا كالنسيم
ألف عين تشق صخرك فاضرب
بعد غوص في «الذات» ضرب الكليم
| إلى القارئين
إذا لم تصب في الحياة النظر
فليس زجاجك كفء الحجر
1
كفاح شديد، وضرب سديد
فلا ترج في الحرب عزف الوتر
معين الحياة دماء القلوب
ولحن الدما لا المياه الفطر
2
| هوامش
| تمهيد
1
يقظة «الذات» لا أراها بدير
لا ولا تجتلى لدى المحراب
إن روح الشعوب في الشرق غاف
من سموم الترياق، رهن غياب
1
إن تضق بالجهاد في الأرض ذرعا
فحرام مسراك فوق، السحاب
2
ليس من خيفة الممات نجاة
إن تر «الذات» هيكلا من تراب
3
ليس يخفي صروفه الدهر لكن
لك قلب وناظر في حجاب
قد منحت الهشيم في آسيا إذ
أن ناري حديدة في التهاب
4
2
ذنب إقبال البيان وإن كان
شبيه الزمان نزر الوصال
5
هاج أنغامه عكوفا على الخش
خاش موتى، إلى طلاب المعالي
فمهيض الجناح آلف دار
قد رنا اليوم للفضاء العالي
6
فعداه التغريد في الأسحار
وحنين ومتعة الأبصار
7
| هوامش
الفصل الأول
| الإسلام والمسلمون
(1) الصبح
إنا لنجهل مطلع الصبح الذي
يدعى بيوم أو غد في الأزمن
لكنما الصبح الذي ارتجت له
ظلم العوالم، من أذان المؤمن (2) لا إله إلا الله
1
مستسر في الذات معنى بعيد
سره لا إله إلا الله
سيف الذات قاطع غير ناب
شحذه لا إله إلا الله
عصرنا يبتغي خليلا حطوما
وثنه. لا إله إلا الله
2
إن دنياك موثن لا تصدق
زوره. لا إله إلا الله
في متاع الغرور تسعى وتبغي
ربحه! لا إله إلا الله
يا أسير الخسار والربح ينسى
نفسه! لا إله إلا الله
مال دنياك والبنون خداع
كله. لا إله إلا الله
هي أصنام واهم قد براها
وهمه. لا إله إلا الله