تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالكلام في ضرب الكليم شعر يقارب الحقائق المجردة أحيانا، ويمعن في الشعر أحيانا، ولكنه في جملته أقرب إلى المحيط منه إلى المركز.

ومن أجل هذا لقيت في ترجمته عناء أكثر مما لقيت في ترجمة بيام مشرق؛ إذ حرصت على ألا تذهب الترجمة بقسمات الشعر فيه، وألا ينصل بها الخضاب الشعري القليل، وألا يذبل هذا الزهر الصغير بالانتقال من روضة إلى روضة، وألا تضيع الدقائق الشعرية بين لغتين مختلفتين وأسلوبين من البيان متباعدين.

والكتاب في جملته ضرب يفجر الماء من الحجر لا موسيقى وغناء كما قال إقبال:

كفاح شديد وضرب سديد

فلا تبغ في الحرب عزف الوتر

ومن أجل هذا سماه ضرب الكليم؛ رمزا إلى قصة موسى حين ضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا.

فلعل القارئ يقدر حقائقه في معرض من الشعر شفاف أكثر مما يلتمس فيه خيال الشعر وزينته وبهجته، ولعله كذلك يقدر عناء المنشئ والمترجم في عرض هذه الحقائق والإبانة عنها في أسلوب من الشعر الرصين. (1) فصول الديوان

قسم الشاعر ديوان ضرب الكليم على ستة فصول، وقدم قبلها قطعتين وقصيدة: القطعة الأولى أبيات قدم بها الديوان إلى أمير بهوبال حميد الله خان، والثانية يخاطب فيها القراء، والقصيدة سماها تمهيدا.

وهذه فصول الديوان: (1)

الإسلام والمسلمون (وهو أطول الفصول). (2)

التعليم والتربية. (3)

المرأة. (4)

آداب الفنون الجميلة (وهو ثاني الفصول طولا). (5)

سياسيات المشرق والمغرب. (6)

أفكار محراب جل الأفغاني.

وهذه الفصول مؤلفة من قطع صغيرة بين بيتين وعشرة لا تتجاوز العشرة إلا قليلا.

والفصل الأخير منظومة واحدة مقسمة عشرين قسما تختلف أقسامها أوزانا وقوافي، ولكن الشاعر جعلها منظومة واحدة وربط بين أقسامها بأعداد متوالية.

والقطع في الفصول كلها، إن عددنا أقسام الفصل الأخير، مائتان واثنتان.

وفي المقدمة أربع قطع. (2) فلسفة إقبال

لا بد من كلمة موجزة في فلسفة إقبال تعين القارئ على إدراك مرامي الشاعر.

أساس فلسفة إقبال ما سماه «خودي»: «الذات أو الذاتية».

وقد بين مذهبه هذا في كثير من شعره وخص به منظومة سماها أسرار خودي.

وخلاصة هذه الفلسفة، وما بني عليها، وما يتصل بها من آراء: (أ)

أن الذاتية جوهر الكون وأساس نظامه، وسر الحياة فيه. (ب)

وأن الذاتية هذه تحيا من تخليق المقاصد، وتوليد الآمال، كما يقول إقبال: «نحن أحياء بتخليق المقاصد ونحن منيرون من شعاع الأمل.» (ج)

وأن الذات تقوى بعشق ما تؤمل، وسعيها إليه غير متوانية، وإقدامها عليه غير هيابة، واقتحامها كل عقبة في سبيله؛ كما قال: «وهي بالمحبة أقوى، وأحيا وأضوأ.» (د)

والجهاد الدائم، والكفاح المتصل تقوى به الحياة وتزداد وتنير. والإحجام، والتردد والسكون إلى الدعة والخضوع تضعف الحياة وتطفئها. (ه)

وعلى الإنسان أن يستخرج كل ما في فطرته من مواهب، وأن يعتمد على نفسه، ويظهر ذاته في قوله وفعله، ويحذر التقليد والاعتماد على غيره، وطلب ما عند الناس والغفلة عما في نفسه من كنوز. (و)

بهذا كله تقوى الذات، وقوة الذات هي مقصد هذه الحياة، والشاعر معجب بالقوة في كل شيء؛ القوة الحسية، والقوة المعنوية، وهو بهذا يعجب بالفيلسوف الألماني نيتشه ويذكره كثيرا ولكنه يأخذ عليه أنه عرف العقل لا القلب، والجسم لا الروح، والعلم لا العشق، ويقول عنه: لم يكن أهلا لنكتة التوحيد، وإنه آمن عقله وكفر قلبه، وإنه بنى موثنا على أسس مسجد.

بل القوة عند إقبال من عناصر الجمال، فإن الجمال لا يكون بغير جلال.

يقول في القطعة التي عنوانها «الجلال والجمال»:

عندي جمال في بهاء أن ترى

في سجدة للقوة الأفلاك

ولنغمة من دون نار نفخة

ما الحسن إلا بالجلال يحاك

بل يقول في هذه القطعة: إنه لا يحب أن يعذب بنار غير قوية:

لا أرتضي نار الجزاء ولم تكن

ضرب الكليم: إعلان الحرب على العصر الحاضر · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضرب الكليم: إعلان الحرب على العصر الحاضرص ٣