تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بذكراك فارتدت إلى الحسنات

وإن أخلدت يوما إلى الأرض ردها

هواك إلى الأفلاك في لمحات

وذكرك قد يجلو عن القلب رينه

فيسطع فيه النور حين صلاتي •••

على أنني يعتادني من تذكري

لواعج هم مشعل الزفرات

هي النور وهي النار والسلم والوغى

بقلبي، ومنها غبطتي وشكاتي

وأمني وخوفي وهي أنسي ووحشتي

وظلمة أيامي وضوء حياتي

فيا قمرا إن غاب عني نوره

فقلبي ليل موحش الظلمات

ويا شمس حسن إن تغب فجوانحي

بها شفق في وقدة الجمرات

ويا فلكا للحسن والحب دائرا

يبارك ربي هذه الدورات

فلو كان ما بيني وبينك فرقة

لقطع بحار أو لطي فلاة!

ولكنه الدهر المشت يقيمنا

على قربنا، في فرقة وشتات •••

تمنيت أنا طائران بدوحة

تظلل نبعا ثر في الفلوات

أصوغ لك الأزمان شعرا وبهجة

وأسمع منك الخلد في نغمات

ويمسك هذا الدهر عن حركاته

فلا هو بالماضي ولا هو آت •••

أناظمة الأشعار أنت قصيدة

جلتها يد الخلاق في قسمات

يطالعها قلب من الشعر مجدب

فينبت فيه الشعر أي نبات

وينشدها من قد في الصخر قلبه

فينبض منه الشعر قلب صفاة

أرى وجهك الوضاء شعرا مصورا

تسطره يمناك في كلمات

كأن يراعا في يمينك إبرة

1

تردد ما في الوجه من نغمات

يقولون: «شعر شاعر» هل عنوا به

بديعة حسن تنظم الشطرات؟ •••

يحيى بهذا الشعر قلبي فاقبلي

وإن كنت روضا، هذه الزهرات

سقتها دموعي واصطلت حر زفرتي

فلا تعجبي إن لم تكن نضرات

| يا رب رحماك1

سجا الليل، وخفتت الأصوات، وأوت الطير إلى أوكارها، ولجأ كل حي إلى مأواه، وانبعثت بالإنسان أوصابه وهمومه، وأفراحه ومآربه، في شتى المذاهب.

أقلب الطرف بين الأرض والسماء، وأجيل الفكر في الغابر والحاضر، وأبعث إلى نفسي بالسؤال بعد السؤال، فتجيب كل سؤال بمثله، وتشرح كل معضلة بأعضل منها، فإذا أنا باك على الناس، راث لهم، وإذا لساني يضطرب بهذه الكلمات:

رحماك يا رب للفقير الكادح يقض عليه مضجعه ألم يومه، ووساوس غده، وتسلمه هموم النهار إلى المرقد، فإذا هو شقي في مرقده، يثير أشجانه مرأى أطفاله في ألوان من الفاقة، يضاحكهم وقلبه باك، ويبش إليهم وفؤاده شاك.

رحماك يا رب للأغنياء البخلاء، بين تخمة أمعائهم، وشره أيديهم وأفواههم، وفظاظة قلوبهم، وغفلة نفوسهم، حين يتقلبون في النعيم مترفين فكهين، ضاحكين مستهزئين، لا يبالون ما على الأرض من بؤس، وما بين الجدران من آلام. رب رحماك لهم فإنهم وجدوا كل شيء وفقدوا أنفسهم.

رب والعابد الصاف في جوف الليل، هجر الناس ولجأ إليك، ونفر منهم وأنس بك، أنزل عليه السكينة والطمأنينة، وأضئ له السبيل إلى جنابك المقدس، ومهد له الطريق إلى حرمك الأمين.

رب والعاصون الغارقون في آثامهم، الجائرون في ضلالهم، وكل ذي ذنب طبعت به نفسه، ودنس به قلبه، وعمي به بصره. رب هم أحوج الناس إلى رحمتك، وأولاهم بهدايتك، أنقذهم من ورطاتهم، ونقهم من أرجاسهم، هم أطفالك العرمة، وعبادك الغافلون، وعبيدك الآبقون، وأنت أنت ولي إرشادهم، والقادر على إسعادهم.

رب والمرضى تبرح بهم الآلام، وتبريهم الأسقام، أدركهم برحمتك الواسعة، وأغثهم برعايتك، إنك أنت الرحيم.

ثم المحزونون على حبيب مفقود، أو قريب مفتقد، تتقطع قلوبهم زفرات ، وتذهب أنفسهم حسرات، بين الماضي وذكرياته الفاجعات، والمستقبل وآماله الضائعات.

وكل ذي غم يضطرب في بحر من الآلام والأحلام، وخيالات من الموت والحياة، تذهب زفراتهم مع الرياح، ودموعهم مع الأنهار، وتدور بهم الهموم، فنومهم سهاد، ويقظتهم رقاد. قد انبهمت عليهم أمورهم بين اليأس والأمل، والظن واليقين، كالغريق يغشاه موج من فوقه موج. رب فاهدهم إلى ساحل النجاة، وأطلع عليهم نجمك الهادي في الظلمات، وأرسل عليهم روحا من رحمتك، ومد عليهم ظلا من عنايتك.

رب والشريف الذي تقهقرت به الأيام، وكلب عليه الزمان، تدفعه الحاجة، وتمنعه العزة، وتدعه الفاقة، وتمسكه الأنفة، فهو غني النفس فقير اليد، كلما نسج على نفسه سترا من التعفف والتجمل مزقته يد الزمان العاتية، وكلما تجلد أنحى الدهر على تجلده، يثور في قلبه الذل والكبرياء، والعز والهون، فهو بين طموح نفسه وهوى الحادثات به أشقى الأشقياء، معذب اليأس والرجاء.

الأوابد · الصفحة ٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأوابدص ٩٣