تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

رب والراكبون البحر على غواربه الجائشة، وثبجه الهائل، ولجه الذي يلقى كل عين بهولها، وكل نفس بصورة حتفها، فإذا أظلم اليم طغى الماء، وصرخت فيهم الريح الهوجاء، ففي رحمتك نور الظلماء، وسكينة الماء، وهدوء العاصفة الهوجاء.

وسالك البيداء ضلت به الطريق، وانبهم عليه المذهب، لا يدري أيقف على قبره، أم يسير إلى قبر أمامه؟ فإذا الصحراء كلها قبر واسع، يهرع إلى الشراب من خدع السراب، ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت. انصب له في البيداء منارك، وابعث له من هدايتك دليلك.

رب حتى النبت الذابل، والشجر المصوح، والأرض الماحلة، أسبل عليها غيثك، وأنزل إليها الحيا بفضلك.

اللهم قلوب ملؤها الرجاء، ونفس تحن إلى الورد وهي ظماء، وأيد مبسوطة إليك وهي من الثقة ملاء، وأعين ناظرة إليك وأنت لها ضياء، فلا تردها خائبة، ولا تزدها حسرة على حسرة. رب كيف يحرم شجرك الذي غرست، وزرعك الذي زرعت، من غيثك المدرار، وشمسك الساطعة؟ ومن يصد دنس الخلائق أن يرد نهرك فيطهر، ويسبح في حوضك الكوثر؟

يا سامع خفقات القلوب الحزينة، وزفرات الصدور الكليمة، وعالم نزعات القلوب الضالة، وجمحات الأهواء المردية، لا تدع قلبا خائفا إلا أمنته، ولا صدرا زافرا إلا روحت عنه، ولا عقلا ضالا إلا هديته، ولا هوى زائغا إلا رددته حكمة ورشدا.

اللهم عجز الفكر، وعي اللسان، ووقف القلم، ولا تزال ساحات الرحمة لا يدركها نظر، ولا يحيط بها فكر، ولا يسطرها يراع، وقد فررنا من خوفك إلى رجائك، ومن عذابك إلى رحمتك، ومن جبروتك إلى لطفك، ومن سخطك إلى رضاك، ومن حرمانك إلى نيلك، ومنك إليك. أنت الأول والآخر، والظاهر والباطن، وأنت بكل شيء عليم.

| رب أعتقني

بين العبد الهرم وربه

1

رب جلل الشيب رأسي، وقيد الكبر خطوي، وفل الضعف يدي، وحنت السنون متني.

رب قد حملت الأمانة جهدي، وأديتها على قدر طاقتي، وقد أنى لي أن أستريح فأعتقني.

رب قد زرعت وحصدت، وغرست وجنيت، وعمرت الأرض، ومهدت السبل، وقد أنى لي أن أستريح، فأعتقني.

رب وقد بررت بالفقير، ورحمت الضعيف، وآويت اليتيم، وأصلحت بين المتخاصمين، وألفت بين المتباغضين، ولم آل في جمع عبادك على المودة والرحمة، أنى لي أن أستريح، فأعتقني.

رب وقد ربيت الأولاد والإخوة والأحفاد، ولم آل في التأديب والتهذيب، فأعتقني، قد أنى أن أستريح.

رب والحيوان أطعمته ورحمته، والطير في جو السماء غذوته وسقيته وآويته، مما زرعت من الحب، وحفرت من الآبار، وشققت من الأنهار، وغرست من الأشجار. أعتقني، فقد أنى لي أن أستريح.

إلهي حملت العبء غير متبرم، وأديت الأمانة غير متتعتع، وقلت الحق غير متلعثم، سلكت سبيلك صابرا، وأوفيت على الغاية مجاهدا، ووجهي ويداي ناطقات بما فعلت، شاهدات بما صنعت؛ فارحمني، فقد أنى لي أن أستريح، وأعتقني، وأعطني براءة عتقي، كما يكرم السيد عبده الذي هرم في طاعته، أو كما يسيب الحيوان بعد أن أضناه المسير والحمل.

2

عرفت ما صنعت، ورضيت ما فعلت، وشكرت ما قدمت، وعفوت عما هفوت، وادخرت لك أكثر مما رجوت، ولكني لا أقيلك من تكليفي، ولا أسترد منك أمانتي، ولا أعفيك من عبوديتي. - رب لا أستقيل من عبوديتك، ولكن يدي لا تقوى على العمل، ورجلي كلت عن السعي، بل كل لساني وفكري، فكيف أحمل الأمانة، وأؤدي الواجب؟ - أحب أن أرى يديك ترتعدان في العمل لي، ورجليك تدبان في سبيلي، ولسانك وقلبك يخفقان بذكري. لا أكلفك ما لا تطيق، بل أرضى بالقليل وأكثره، وأقبل الصغير وأعظمه. أحب أن أراك عاملا ما عشت لي؛ إن في العمل حياتك ورحمتي. - رب أستغفرك ولا أستقيلك، ولا أبغي عتقا من عبوديتك. سأعمل ما خفق قلبي، وتردد نفسي

إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين .

الأوابد · الصفحة ٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأوابدص ٩٤