أنت فيه علم وفي سواه نكرة، ووجهك في مغانيه صورة محبوبة، وفي غيره خلقة منكرة، وصوتك في منازله نغمة مألوفة، وفي غير همهمة منفرة. وأنت في سواه حرف لم يركب فهو غير مقروء، ولفظ يعثر به اللسان فهو جد مشنوء، وصفر لا على يمين ولا على يسار، لا يدخل في حساب المجد ولا العار، لو لم تكن منبوذا لقلت: رقعت بالية في ثوب أجد، ولو لم تكن خفيا لقلت: شعرة بيضاء في ثور أسود.
ألم تر إلى أسارى يهود الأوائل كيف عطلوا مزاهرهم على نهر بابل،
2
وخرست ألسنتهم بالغناء وقالوا: «كيف ننشد أناشيد إسرائيل ونحن غرباء!» سوقك التي إن تهجرها فأنت في الحياة بائر، وعشك الذي إن تفقده فأنت طير حائر، ومعك حيثما ذهبت مجده وفخاره، أو إثمه وعاره، وسيف مجده في يمينك، أو ميسم خزيه على جبينك، ليس إلا إليه الثواء، وإن ابتغيت نفقا في الأرض أو سلما في السماء. •••
مصر التي برزت خضراء في صحراء، وجرى نهرها بين جناتها كالمجرة في السماء، وظهرت بين الرمال، كما تلوح في اليأس الآمال، أو كما ينبثق الفجر من الظلم، ويرف الزهر على الصخر الأصم، ينبوع في مجاهل، وورد بين السباسب عذب المناهل.
مصر التي طلع فيها فجر التاريخ فأضاء، وكشف بها عن المعارف أول غطاء، وأنشد الدهر على نيلها أنشودة الفخار الأول، وألقى المجد فيها رحله ثم لم يتحول، وانفجر فيها ينبوع العلم فعم، فنهلت منه سائر الأمم، وانقدحت منها شرارة المعرفة فكانت نارا، فعشت إليها الأمم الحيارى.
مصر التي أعجبت في القديم والحديث، وراقت ماضية وحاضرة، ألم تر كيف رسا هرمها على الزمن، وثبتت قواعدها على الفتن، وبقيت كما كانت مدهشة السر والعلن؟ هرمها طاول الدهر فطاله، وصارعه الزمن فما أماله، صرح رهبته القرون، وعي ببانيه ريب المنون، فالقبور التي هي سطور الفناء، تقرأ فيها آيات الخلود والبقاء. ترى فيها الحياة جامدة، وتحس فيها اليقظة هاجدة، وتتبين منها شعلة النبوغ وهي هامدة، كتمتها الأرض حينا ثم لم تستطع صبرا، وضاقت بسرها العظيم صدرا، وابتلعها الزمان فلم يستطع لها هضما، فلفظها رائعة كما كانت قدما، فيا لك من موت أدل على الحياة، وفناء أشبه بالبقاء، وهمود أقرب إلى الخلود!
مصر التي جرى نيلها بياضا في ظلمات الأيام، وسطرا تترنم به الأعوام، مرآة للتاريخ لها من جنات مصر إطار، وسيف للحق قلب الظلم منه مستطار، كم أنبتت بشاطئيه أمما زاهرة، ومدنا عامرة، وجنات ناضرة! فقابل السماء بأبهى من نجومها، وأنفذ من رجومها، رأت الشمس وجهها فيه فتاة وشمطاء، وشبت النجوم ترى صورتها في الماء، وظهرت المجرة صورة له في السماء. سقى القرون الخوالي ولم ينضب، وكتب عبر الأيام بمداده فلم ينفد، تدفق كالقدر من الأزل إلى الأبد فياضا هدارا، معطاء مكثارا.
هو يا ابن مصر حياتك وعزك ، وقد كتب به مجدك وفخرك.
يا بني مصر الحديثة، لا تكن آثاركم على عبري النيل أردأ خطا ولا أقبح سطرا، فإنما تلكم الحقب الموروثات، والآثار الخالدات، وديعة الأمم الخالية، وميراث القرون الآتية؛ فتقدموا للعمل بقلوب ملؤها الإيمان والأمل، ورءوس ملؤها الحكمة والروية، وأيد ملؤها النشاط والقوة، واحذروا غضب الله، ولعنة الخلف، وحكم التاريخ.
| بين التصوف والغزل
زهرات ذابلات
أحاذر في نجواي بث شكاتي
فأكتم ما في القلب من حسرات
ويغلبني وجدي فألقاك شاكيا
ولا بد للمصدور من نفثات
لقد علمت أخت الملائك أنني
من الغم والأحزان في غمرات
وأن هواها مستبد بمسمعي
وفي كل شيء، مالئ نظراتي
وملء فؤادي والأماني كلها
يبرح بي في يقظتي وسباتي
أروم اصطبارا عن لقاك فأنثني
إليك بملء القلب من خفقات
وألتمس السلوى لديك فأنثني
بزاد من الأشواق مستعرات •••
إذا ما دجا بالغم قلبي أضاءه
كواكب من ذكراك والخطرات
وإن جنحت للشر نفسي هديتها