تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والفراش قلق بين النوار، هائم بين الأزهار، لا يقر له قرار، كأن كل فراشة زهرة طائرة، أو قبلة بين الأزهار حائرة، أو نغمة في جمال الروض سائرة!

والشعراء ينافسون الطير على الأيك طربا وتغريدا، وفي المرج تسبيحا وتحميدا، تنبجس في جوانبهم ينابيع البيان، وتتفتح سرائرهم على أزهار الشعر؛ ففي كل قلب ربيع، ومن كل قصيدة روضة، وفي كل معنى زهرة، وعلى كل قافية نضرة.

هكذا تفيض الحياة على الجماد والنبات والحيوان، وينتظم الجمال الخليقة والإنسان، كأنما العالم كله فكرة واحدة، أو قصيدة خالدة.

ذلكم الربيع الذي فتن الناس، فافتنوا في وصفه والإبانة عن محاسنه، والإشادة بذكره، والاحتفال بمقدمه، فاتخذته الأمم على اختلاف المذاهب عيدا، ومجدته بشتى الوسائل تمجيدا، وأولع به الشعراء في كل قبيل، ولم يخل من المفتونين به جيل.

والناس في مصر ربيع دائم، من أرضهم وسمائهم، وزرعهم ونيلهم، فهم لا يحسون مقدم الربيع إلا قليلا. ولو أنهم عرفوا كلب الشتاء، وانجماد الهواء، وقشعريرة الأرض وقسوة السماء، ورأوا كيف تموت الطبيعة في زمن، وتلتف من الثلج في كفن.

وقد غاب في الثلج الربيع وحسنه

كما اكتن في بيض فراخ الطواوس

ثم شهدوا كيف يأتي الربيع، فيكهرب كل ذرة، ويفيض كل عين ثرة، ويخلق كل نضرة - لاحتفوا بالربيع، وعرفوه يقظة بعد هجود، واشتعالا بعد خمود، ورأوا فيه النشور بعد الموت، والإدراك بعد الفوت.

على أن للربيع في مصر دقائق يسر لها الإنسان، وشيات يدركها الشعراء في كل زمان.

جاء الربيع فليت في كل قلب من صفائه قطرة، وفي كل نفس من جماله زهرة، وفي كل خلق من عبيره نفحة؛ لتعمر النفوس بمعاني الحياة، وتستنير بأشعة الجمال، ويسكن الناس إلى السعادة حينا، وينسوا أساليب العداوة والبغضاء زمنا. وليت الناس جروا مع الحياة طلقها، ولم يفسدوا على الطبيعة خلقها، فأنبت الربيع في كل قسوة رحمة، وفي كل يأس أملا، وفي كل حزن سرورا، وفي كل ظلام نورا. ليتهم اجتمعوا على ورد الحياة متصافين، كما ترف على جداول الربيع الرياحين.

| رثاء ضرس1

أيها الضرس ما خلعت اختيارا

رغم أنفي فراق خل قديم

لك في في موضع ليس ينسى

وبقلبي ذكرى الوفي الكريم

ذقت في صحبتي من الحلو والمر

وعرك الصلاب غير مليم

غير أن الزمان ألبسك السق

م وأنحى عليك بالتحطيم

ما بقاء الشجاع في الصف إما

كل حدا وآض جد سقيم

غاية الجهد أن حبوتك تاجا

أي تاج يرى لعظم رميم؟

لك في الشاه أسوة خلع الأم

س وخلاه تاج ملك قديم

لا سواء فأنت أشرف نفسا

قد تركت الميدان غير ذميم

وحملت الأعباء جهد شجاع

واهن الجسم ذي فؤاد سليم

لهف إخوانك الوفاة إذا ما

ثبتوا للوغى بقلب كليم

لهف نفسي وقد فجعت ببعضي

إن هذي مصيبة في الصميم

كل حي إلى الفناء ولا يب

قى سوى ربك العلي العظيم

| الوطن1

تربتك وماؤك، وأرضك وسماؤك، منه نشأت، وإليه إن كنت سعيدا تعود، أول ما أحسست من الحياة، وأبصرت من الضياء، ونشقت من الهواء، وسمعت من الترنيم والغناء، وعرفت من الفرح والبكاء. مرحت طفولتك مع طيره، في زرعه وشجره، ورتع صباك في بره وبحره، وسهله ووعره، وحره وقره، وشمسه وقمره، فهو روحك وجسمك، وحسك وعقلك، وحقيقتك وخيالك، وذخائرك وآمالك. كدحت يدك في مادته، وسبح فكرك في معناه، واستنزلت الوحي من سمائه، وأطرت الخيال في هوائه، ورأيت غير الحياة في أرجائه، بين صباحه ومسائه، وضيائه وظلمائه، ورعيت الجمال في جناته النواضر، ونجومه الزواهر، وفي زروعه وأشجاره، وجداوله وأنهاره، واستمددت من شمسه القوة والعمل، ومن قمره جمال الخيال ونضرة الأمل، وعرفت معاني الحياة في مشارقه، وأدركت أسرار الفناء في مغاربه.

كتاب آبائك المفتوح لك، وصحف أجدادك المنشرة أمامك، تقرأ فيها عزك وهونك، وأفراحك وشجونك، وأنت فيها سطر مقروء غدا، يراه الخلف رديئا أو جيدا. حقب أنت إحدى ساعاتها، وسلسلة أنت من حلقاتها. حي أنت فيها وكنت من قبل حيا، وستحيا وإن كنت في رمسك مطويا، تقول: «فعلنا» وقد فعل آباؤك القدماء، و«سنفعل» وإنما تريد أن يفعل الأبناء، قرآنك المتلو على الدهور، وأدبك تقرؤه الأجيال بين منظوم ومنثور، وموسيقى وضعت لك ألحانها، وأناشيد تخاطبك قوافيها وأوزانها، وتهيب بك أفراحها وأشجانها، ليس بأمانيك تحبه أو تقليه، ولا باختيارك أن تنام عنه أو تسهر فيه، فأنت فيه قد خلقت، ولنصرته قد طبعت، وليس في قدرتك أن تبدأ الخليقة، أو تنقض السليقة.

الأوابد · الصفحة ٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأوابدص ٩١