تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أو يرى فيه صدى طغيانها

رددته رهبة للسامعين

ويقيم الطير في أفنانها

شاديات باكيات كل حين

ويرى النهر دموعا ودما

في عراك الدهر والقلب الحزين

أو يرى الصفحة سردا محكما

نسجته الريح بين الناسجين •••

ويرى الورد ضحوكا طربا

إذ تحليه من الطل درر

فإذا الورد ذوى واكتأبا

حسب الطل هو الدمع انتثر

ويرى البانة قدا معجبا

ماس في الروض دلالا وخطر

ويرى الجدول صلا هاربا

في ظلال الأيك أعياه الوزر

ويظن الريح دارت لعبا

في ذرى الأشجار تلهو بالطرر

ويخال الطير غنى مطربا

يقرأ الحسن بصفحات الزهر

ضاق هذا العيش إلا حلما

راق في الأحزان نوم البائسين

تضحك الآمال فيه كلما

أبكت الآلام عيش الكادحين •••

صاح والشاعر في نظراته

يخرق الستر إلى سر الضمير

فيرى الآمال في طياته

ودبيب الحزن فيه والسرور

يكشف المحزون عن أناته

ويراه الناس في ثوب الحبور

ويجلي الحب عن سوءاته

وجميع الناس منه في غرور

ويرى المحسن في هالاته

حين يخفي فضله كل كفور

فشعاع الشعر في ومضاته

كاشف للناس عن ذات الصدور

يقرأ الشاعر ما قد أبهما

في ضمير الدهر آلاف السنين

ويرى الغائب مشهودا كما

بصر الهدهد بالماء المعين •••

يجهد الشاعر طول العمر

فيرى الآمال يأسا ومحالا

فتراه مثل باز صرصر

ملأ اللوح صياحا وصيالا

أو تراه مثل ليث هصر

عض في الأسر قيودا وحبالا

ثم يلهو بجمال الزهر

كاتما في الصدر غما ووبالا

فتراه عندليب الشجر

واصفا في الروض حسنا وجمالا

أو تراه كحمام هدر

رتل الحزن نشيدا فأطالا

صاح ما الشعر سبيلا أمما

هو صهر القلب في نار الشجون

صاح ما الشعر كلاما، إنما

هو ذوب النفس أو ماء العيون

| لم لا تقول الشعر؟1

كتبت إلي أيها العم الكريم

2

تسألني لماذا صمت بعد تغريد، ونضبت بعد فيض، وسكنت بعد المرح، واكتأبت بعد الفرح ؟ وما هذا الوجوم والإطراق بعد التهلل والإشراق؟ أين قلبك الهدار، وقلمك المكثار؟ وأين شعرك الشاعر، ونظمك الساحر؟ ليت شعري وقد أمكنك القول لم لا تقول الشعر؟

1

يا سيدي، بماذا أجيبك؟ لقيت الحياة مبتسما، ونشأت مترنما، أطالع تباشير الصباح مرحا كالأطيار، مترنحا مع الأشجار، تروقني ألوان الأفق، وظلمات الغسق، وتشدهني طلعة ذكاء، في موكب الضياء، أراقب الأضواء، في الإصباح والإمساء، وأساير الظلال، بالغدو والآصال، وأخلو إلى القمر أشرب ضياءه، وأحس في نفسي صفاءه، وأقول:

البر والبحر ذوب من سنا قمر

تردد الطرف فيه فهو حيران

وأتأمل الأزهار في شعاعه، وأقبل الورد في لآلائه، وأساير النيل أجري مع مائه، وأضطرب مع أمواجه، وأقف على البحر فرحا بآذيه المهتاج، معجبا بسلاسل الأمواج، أرقب العراك المتواصل بين الماء والساحل.

وكم طربت لزقزقة العصافير في نور الصباح، وتنزيها على متون الرياح، وضحكت لبكور الغراب، سابحا في الضباب!

وكم فتنني الوجه الجميل، والخلق النبيل، فقلت:

في كل حسن أرى سرا يجاذبني

نفسي، وما لي بهذا السر عرفان

أرى الجمال فتطبعه زجاجة العين على صفحة القلب، فإذا هو على لساني وقلمي؛ فأنطلق قائلا معجبا، ومنشدا مطربا.

وكل شيء يبعث الأمل، ويحدو إلى العمل، وكأن القضاء طوع الخيال، وليس في الدنيا محال، وكأن الإنسان يستطيع أن ينحت الجبال بقلمه، وينزف البحر بفمه، والمستقبل وضاء، وكل ما في العالم ضياء.

2

ثم نفذ الفكر إلى ما وراء الظاهر، وتطلع إلى ما في السرائر، وجاوز القشر إلى اللب، وخاض الضحضاح إلى العباب، وكشف المجاز عن الحقيقة، وطالع ضمائر الخليقة، فانبهم العالم واستعجم، فإذا كل شيء مبهم، فالفكر فيما وراء الحجب جائل، وكل سر هنالك هائل، والضوء هنالك ضباب، والبصر حجاب.

امحت الأشكال، وخفيت الألوان، وعيت الريشة في يد الراسم، وحار القلم في يد الشاعر، وبهت المنطق دون البيان، وجمد اللفظ على اللسان، ويبقى السر المحجب، آبيا على كل مطلب، أو يبص من الحقيقة حاجب يتسع عن ضيق الألحان، ويكبر على سلاسل القوافي والأوزان.

الأوابد · الصفحة ٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأوابدص ٧٨