تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ورحم الله الشاعر سنائيا إذ يقول: «رجعت عما قلت؛ إذ ليس وراء الألفاظ معان، وليس لما ندرك من المعاني ألفاظ.»

3

أهم بالمعنى الصغير، فإذا هو حلقة في سلسلة، وطريق إلى كل معضلة، وجزء من كل حقيقة هائلة.

وأحاول الأمواج، فتنفتح عن الأعماق، فيضل الفكر، وتزيغ الأحداق، وأعالج حمرة الشفق، فإذا وراءها خبيئات الأفق، وإذا الأفق صلة الأرض والسماء، وملتقى الظلام والضياء، وكيف بما هناك من حقائق؟ كيف بما استسر من أسرار الخالق؟

وأهم بالكلام عن الحيوان، فإذا أنا في لجة الحياة، وهي السر العجاب، سلسلة وسطها فوق الأرض وطرفاها في التراب.

وأريد أن أصف الذرة، فإذا هي والشمس سواء، باهرة الحقيقة، رائعة الضياء، أنظر إلى الصغير فيكبر، وأقصد إلى الآنس فيفر، وأعمد إلى الواضح فينبهم، وإلى المعرب فيستعجم.

والأمل تكسرت أمواجه على صخور الحقائق، وضل سرابه في فسيح السمالق.

هأنذا على ساحل المحيط الأعظم، حائر الطرف بين اللجة والشاطئ، مقسم الفكر بين الظاهر والباطن، ولست أدري أأبقى صامتا مبهوتا، أم أهجم على الأهوال، وأغوص في الأعماق، مبينا عن عرفاني وجهلي، وإدراكي وعجزي، أم أرجع إلى العهد القديم أصف الألوان والأشكال، والضياء والظلال؟

| أوراق مالية1 في القرن السابع الهجري

كيخاتو بن أباقاخان بن هلاكو، خامس ملوك المغول المسمين أيلخانية، كان كما يقول مؤلف «حبيب السير» أسخى بني هلاكو؛ كان يفيض جودا في موائده، ولا يقف به حد في الإسراف واللهو.

وقد اختار لوزارته صدر الدين الزنجاني المعروف بصدر جهان. ولم يكن الوزير مخالفا مولاه في التبذير، فخلت الخزائن، واشتدت الحاجة إلى المحال، وضاق بالملك الأمر، فبدا للوزير أن يأخذ عن أهل الصين سنة كانت معروفة عندهم في ذلك العصر، هي التعامل بأوراق تغني غناء الحجرين الكريمين، أو المعدنين النفيسين: الذهب والفضة، وليس الفرق بين الورق والورق ذا خطر.

أمر الوزير بطبع أوراق للتعامل سميت «جاو»، وأنشأ في كل ناحية دارا لطبع الأوراق سميت «جاوخانة»، وشرع قانونا يحتم على الناس الإقلال من تداول الذهب والفضة جهد الطاقة.

وكانت الأوراق كما وصفها رشيد الدين الشيرازي في تاريخه المعروف بتاريخ «وصاف» والمؤرخون المعاصرون على هذا الشكل:

ورقة مستطيلة، عليها كلمات صينية، وفوقها باللغة العربية كلمة الإسلام «لا إله إلا الله محمد رسول الله» اتباعا للمألوف في المسكوكات الإسلامية، وتحت هذا اسم الكاتب، ودائرة كتب فيها قيمة الورقة، وكانت القيمة تختلف من نصف درهم إلى عشرة دنانير، ومما كتب على هذه الأوراق هذه الكلمات الهائلة: «أصدر ملك العالم هذه الجاو المباركة سنة 693ه، فمن غيرها أو محاها يقتل هو وزوجه وأولاده، ويصادر ماله.»

وأرسلت إلى المدن منشورات تبين فوائد التعامل بهذه الأوراق، وتبشر الناس أن الفقر والبؤس سيزولان لا محالة إن دام التعامل بها، ومما جاء في هذه المنشورات هذا البيت:

چاو أكرد رجهان روان كردد

رونق ملك چاودان كردد

وترجمته: «إذا راجت في العالم الجاو دام رونق الملك أبدا.»

ومما جاء في قانون هذه الأوراق أن الورقة التي تمزق أو تبلى، ترد إلى الجاوخانة، ويعطى صاحبها ورقة أخرى تنقص عنها عشر القيمة.

ثار الناس على هذه الأوراق: يروى أنه جعل موعد تداولها في مدينة تبريز شهر ذي القعدة سنة 693ه، فلما جاء الموعد أقفلت الحوانيت ثلاثة أيام، ووقفت الأعمال، وأبى الناس أن يقبلوا «الجاو المباركة».

وكان أعظم رجال الدولة نصيبا من سخط الناس وبغضهم: عز الدين المظفر، الذي وكل إليه إخراج الأوراق والقيام عليها، ومما قيل فيه:

توعز ديني وظل جهاني

جهانرا هستيء تونيست درخور

أزان كبر ومسلمان ويهودي

بس أز توحيد حق والله أكبر

همى خوانند أزروى تضرع

الأوابد · الصفحة ٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأوابدص ٧٩