وتأمل هذا العقد من المصابيح الكبيرة يطوق هذا الخليج الجميل، والسيارات تطوي الأرض ذات اليمين وذات الشمال، فيها المصطافون قد أخذوا من الحياة متعتها، واهتبلوا من الأيام فرصتها، وألحان الموسيقى تتدفق من هذه الأندية والمراقص، فتموج في الهواء، حتى تختلط بأمواج الدأماء، وهذا البحر الزاخر من الناس، والمحافل المزدحمة بشتى الأجناس، يحوطها النظام، ويهيمن عليها القانون والسلطان، ويرقبها الشرط والعسس، كل آخذ بحقه، مأخوذ بعدوانه.
يا أخي لقد استبحر العمران، وشمل الناس الأمان، وأمكنهم العيش السعيد، وأسلس لهم الزمان العصى، وأطلعت لهم المدنية من النعيم ألوانا، وأنبتت لهم من اللذات أفنانا، يا أخي، إنها لمدنية.
ثم صمت صاحبي، ومال بنا المسير حتى ملنا ذات الشمال إلى محطة الرمل، فمررنا بباب القنصلية الإيطالية، فرأيت بجانب الجدار شبحين ضئيلين، فاقتربت أنعم النظر فيهما، فإذا طفلان نائمان، جلس أحدهما القرفصاء واعتمد بجانبه على الجدار، وتمدد الآخر على الأرض، عرضة لأقدام السابلة، قلت: وا رحمتاه! طفلان شريدان ألجأهما الشقاء إلى هذا الجدار.
ويعلم الله ما بهما من السغب والنصب، وما لقيا في يومهما وأمسهما، وما يلقيان في غدهما، قال صاحبي: لا تعجب، فأمثال هذين كثير، يعثر بهم السائر حيثما ذهب، فانقلب الأسى في نفسي غضبا على صاحبي، قلت: أرأيتك مدنيتك هذه العظيمة، وطرقها المعبدة، وقصورها الشاهقة، ومصابيحها المتلألئة، وسياراتها الخاطفة، ومراقصها اللاهية، وأنديتها الحافلة ، أرأيتك القانون والسلطان، والشرطة والعسس والنظام، وهذا العمران المتبحر، والسعادة التي شملت الناس، وألوان النعيم التي طلعت بها المدنية، والعيش الخفض، والزمان المواتي، ومدنيتك الرائعة الفاتنة، أليس في هذه المدنية العظيمة لهذين الطفلين سعة؟ أليس في هذا العمران لهذين الطفلين مأوى؟ أليس في هذه القوانين لهذين الطفلين حماية؟ أليس في هذا النظام لهذين الطفلين موضع؟ أليس في هذه القلوب لهذين الطفلين رحمة؟ يا صاحبي، حسبك حسبك، لا تحدثني عن المدنية ونعيمها، لا تخدعني بالمدنية وقوانينها؛ إنها لمدنية زائفة.
| الشعر والشاعر1
هو وحي في شعاع القمر
يملأ القلب ضياء وسلاما
أو حديث في حفيف الشجر
أفشت الريح له سرا فهاما
أو بكاء في حنين الوتر
ملأ الأنفس وجدا وغراما
هو طل الفجر فوق الزهر
يملأ الروض دموعا وابتساما
ثم يبدو مثل قدح الشرر
بين خفق القلب والهم صداما
أو تراه كالوصايا العشر
2
بين ومض البرق والرعد كلاما
ذلك الشعر إذا ما ترجما
عن خفايا وحيه اللفظ المبين
رب شعر وحيه قد كتما
أبلغ الأشعار ما لا يستبين •••
يخلق الشاعر خلقا آخرا
من خيال حائر فيه المدى
يجعل الليل غرابا طائرا
خاف نسر الصبح لما أن غدا
ويرى النجم شريدا حائرا
هام يبغي في الدياجي موردا
ويضيق الناس عنه ثائرا
فيرى القصة خلقا مسعدا
يبرأ الأبطال فيها ساحرا
فتراهم في البرايا خلدا
مثلا في البر يبقى سائرا
أو حليف اللعن يبقى أبدا
كم هدى الشاعر قبلا أمما
ودعا فيها إلى العز المكين!
وبنى للمجد فيهم سلما
فاستقاموا للمعالي صاعدين! •••
وجه من يهواه روض ناضر
ألفت فيه من السحر معاني
ومن الطرة ليل كافر
ضللت فيه دموع وأماني
دولة الحسن، عليها ساهر
نابل من طرفه، والحاجبان
ومن الهجر جحيم ساجر
ومن الوصل فراديس الجنان
غضبة الشاعر ليل زافر
جلل الأرض بنار ودخان
ورضا الشاعر صبح سافر
ملأ الأرض بنور وأمان
يصبغ العالم ما شاء كما
لعبت باللون أيدي الراسمين
فإذا شاء أراه مأتما
وإذا شاء فعرس الفرحين •••
ويلف السحب من نيرانها
في إهاب الغيظ والحقد الكمين
ويسل البرق من أجفانها
سيف ثأر مصلتا للظالمين
ويقود المزن من أرسانها
بيد الريح شمال أو يمين
ويعد الرعد من تحنانها
حين يروي الأرض بالغيث الهتون