يا بني أبينا وأمنا، كانت وفاة الغازي - رحمة الله عليه - قدرا لا حيلة فيه، ورزءا لا قدرة عليه، ولو كانت نائبة تجدي فيها النجدة، وتغني الهمة، وتنفع الشجاعة والتفدية، لوجد أبو فيصل منا جميعا نفوسا تفديه، وقلوبا تستميت دونه، وعزائم ترد الخطب صاغرا، وجلادا يرجع الموت خزيان ناظرا، ولكنه قدر من وراء الأسماع والأبصار، والجنود والأنصار.
فلتفزع الأمة العربية إلى عقلها وخلقها، وإبائها وصبرها، وثباتها وجلدها.
ولتنظر إلى تاريخها تستمد منه الصبر على المصيبة، والاستكبار على الجزع، والإباء على كل خطب، والثبات لكل هول.
ليكن من اجتماعنا على مصيبة الغازي اجتماع كلمتنا، واستحكام أخوتنا، لتكن من هذه المصيبة الجامعة أخوة جامعة، وكلمة جامعة. •••
أيها الإخوان، مضى فيصل الأول بعد أن أدى أمانته، ولحق به غازي وهو يسير للمجد سيرته، وقد أورث الله فيصلا الثاني جهاد جده، وطموح أبيه. وإن لنا فيه لعزاء، وإن لنا فيه لخلفا، فلتحطه النفوس، ولترعه الأفئدة، ولتجتمع حوله الأفكار والآمال، والعزائم والأعمال، وكل ما في العراق وما في العرب من ود ووفاء، وإخلاص وبر وكرم، حتى يترعرع ملكا كريما في رعاية الله، وحضانة أمته ووفائها وإخلاصها، ترجو فيه العراق والعرب جميعا كوكبا تأوى إليه كواكبه، وسيدا قئولا فعولا لما سن السادة الكرام من آبائه.
وإن في حكمة أهل العراق ووفائهم، وإن في هممهم وعزائمهم لضمانا للمستقبل الوضاء، والمجد الباسم، بعد هذه الخطوب المكفهرة، والوقائع العابسة.
بني قومنا تقسو الخطوب وتربد
ويشرق في أعقابها الصبر والمجد
وإن ظلام الليل يتلوه صبحه
وبعد غروب النجم إشراقه يبدو
وبعد محاق البدر نور هلاله
وبعد طلوع النحس يرتقب السعد
وبين ظلام النقع نصر منور
لمن صابر الأهوال والبأس محتد
وعند اسوداد الغيم غيث ورحمة
يقهقه في حافاتها البرق والرعد
وبعد بكاء السحب خصب ونضرة
تضاحك من أزهارها الغور والنجد
ومن بعد غيض الماء فيض لدجلة
ومن بعد جزر الشط ينتظر المد
2
وفي كل خطب للفراتين دعوة
إلى المجد في أعقابها النصر والحمد
فلا تحزنوا وارموا الخطوب بعزمة
يذل لها الخطب العصي ويرتد
وسيروا إلى العلياء من حول فيصل
وأنتم له حصن وأنتم له جند
| موقعة عين جالوت1
1
كان عام ثماني عشرة وستمائة فاتحة شر مستطير في بلاد المسلمين، سالت فيه جيوش جنكيز من هضاب الصين، تغرق كل شيء، وتجرف كل شيء. طغت على التركستان، فجرفت عرش ملوك خوارزم، ودارت بالمدن العظيمة تخريبا وتدميرا، وبسكانها تقتيلا وتشريدا، وفر محمد خوارزمشاه وكان كما قال مسلم بن الوليد:
وطار في إثر من طار الفرار به
خوف يعارضه في كل أخدود
وورث ابنه جلال الدين ملكا في أيدي التتار، ومجدا بين الحديد والنار، فصبر وصابر، وجاهد ما بين نهر السند إلى حدود العراق، يحاول جهده أن يلم الشمل، ويرأب الصدع، ويخلق من الفرقة اجتماعا، ومن الضعف قوة، ومن الذعر ثباتا، ومن اليأس رجاء، حتى اغتالته المنون بعد أن أعجزتها مصاولته، وختلته بعد أن أعيتها مجاهرته.
وانتشر الرعب، وعم الفزع، ولم يثبت للتتار جيش ولا حصن في شرقي البلاد الإسلامية.
وما لي أكلف نفسي الوصف ولا أستمع لابن الأثير - وقد عاش على شاطئ هذا الطوفان وأحس لفح هذه النار - يصف هذه الوقائع: هذا الفصل يتضمن ذكر الحادثة العظمى، والمصيبة الكبرى التي عقمت الأيام والليالي عن مثلها، عمت الخلائق، وخصت المسلمين، فلو قال قائل: إن العالم منذ أن خلق الله - سبحانه وتعالي - آدم إلى الآن، لم يبتل بمثلها لكان صادقا، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها ... إلخ.
2
مات جنكيز خان سنة أربع وعشرين وستمائة، بعد أن قسم بين أولاده ما فتح من الأرض وما لم يفتح، وامتد الفتح في آسيا وأوروبا، وكانت غير شتى، حتى أرسل منكوقا آن، حفيد جنكيز، أخاه هلاكو سنة إحدى وخمسين ليفتح حصون الإسماعيلية، ثم يفتح بغداد، فأخضع أمراء إيران والقوقاز إلى عام ثلاثة وخمسين، واستولى على أكثر قلاع الإسماعيلية.