ثم جاءت الطامة الكبرى، فاستولى على بغداد، ومحا الخلافة العباسية في تاسع المحرم سنة ست وخمسين وستمائة.
لقد طوى آباؤه الممالك الإسلامية إلى العراق، ثم أصاب هو المسلمين في الصميم إذ أخذ بغداد التي لبثت مقر الخلافة، وقبلة المسلمين في العلم والحضارة أكثر من خمسة قرون.
ماذا يصد هلاكو عما يشاء؟ من ذا يقف للجيوش التي لبثت ثلاثين سنة تسير من ظفر إلى ظفر، ومن مملكة فتحها إلى مملكة قدر لها أن تفتحها؟ إن آسيا ما بين قراقروم
2
وبغداد في قبضة أبناء جنكيز، وإن أوروبا الشرقية إلى البحر الأدرياتي قد عنت لأمرهم. ليس على هلاكو إلا أن يسير الجيوش فتطوى الأرض، ويثير الحروب فتخر الممالك، ويوعد الملوك فيخذلها جندها، وينزل بالمدن فتسلمها أسوارها، عزمة واحدة تسخر له الشام، وأخرى تقهر له مصر، ثم عزمات تبلغ به بحر الظلمات.
3
سار التتار إلى الشام، فلم تستطع لهم حلب دفعا، وهؤلاء المعتصمون بقلعتها لن يجديهم الاعتصام، ولا مناص لهم من الاستسلام بعد شهرين، وسارع أهل حماة إلى حلب، فأعطوا هلاكو مفاتيح المدينة، ثم لم تلبث للقوم مدينة بين حلب وغزة.
وأما أمراء الشام من بني أيوب، فمنهم من انحاز إلى التتر مؤثرا العافية، ومنهم من لجأ إلى مصر مستنجدا، والملك الناصر أكبر هؤلاء، ترددت به الحيرة بين حدود مصر والشام، ثم لم يستطع إلا السير إلى هلاكو.
4
وأبت مصر التي تجاهد الصليبيين منذ مائة وستين عاما أن تذل للتتر، فجمعت ما فيها من إيمان وقوة، وخرجت في رمضان سنة ثمان وخمسين، وصمدت للقوم، فالتقى الجمعان على عين جالوت في فلسطين.
فأما التتر فلم يعرفوا في الحرب إلا الانتصار منذ سال سيلهم على البلاد الإسلامية قبل ثلاثين سنة. ماذا يخشون من جيش مصر وقد مزقوا للمسلمين جيشا بعد آخر، ولم تصدهم البسالة والاستقتال دون غاية؟
وأما جيش مصر الذي جمع المصريين وعرب البادية من مصر والشام، فقد أيقن أنها الموقعة الفاصلة، وأن هزيمة في عين جالوت تفتح طريق العدو إلى مصر فالمغرب، فصمموا أن ينتصروا. وكثيرا ما تلد العزائم الظفر!
ولم يزلزل عزائمهم أن رأوا بعض أمراء المسلمين في صفوف العدو، ذلك الأمير الشقي المتسمي الملك السعيد.
التقى الجمعان يوم الجمعة الخامس والعشرين من رمضان عام ثمانية وخمسين وستمائة، واحتدم القتال، وصبر المسلمون ثم صبروا، ولقوا من حملات التتار ما يوهن العزائم، فلم يهنوا. إلى من يكلون الدفاع عن الإسلام والمجد إن لم يستميتوا في عين جالوت؟
كتبغا قائد التتر قتيل، وابنه أسير، وجنده مصرعون في حومة القتال، وبقايا السيوف منهم عائذون برءوس الجبال.
يومئذ علم المسلمون أنه يستطاع هزم التتر، فلم يثبت القوم في بقعة من بقاع الشام، وأسرعوا راجعين إلى الشرق.
جمع التتر شملهم، وأعدوا للحرب عددهم، ثم رجعوا فاستولوا على حلب بعد شهرين من موقعة عين جالوت، ولكن عين جالوت قد فصلت في القضية من قبل، وعلمت المسلمين أن الأمل والعزم والإقدام تغلب كل عدو، ولو كان التتر جنود هلاكو حفيد جنكيز.
اجتمع المسلمون على حمص، وسار التتر إليهم. فليشهد القارئ قبل المعركة جمعا من أنجاد العرب يسيرون إلى حومة الوغى.
يقول الشيخ شهاب الدين الحلبي: كنت في نوبة حمص في واقعة التتار جالسا على سطح باب الإصطبل السلطاني بدمشق، إذ أقبل آل مرا
3
زهاء أربعة آلاف فارس شاكين في السلاح على الخيل المسومة، والجياد المطهمة، وعليهم الكزغندات
4
الحمر، والأطلس المعدني، والديباج الرومي، وعلى رءوسهم البيض، كأنهم صقور على صقور، وأمامهم العبيد تميل على الركائب، ويرقصون بتراقص المهارى، وبين أيديهم الجنائب، ومن ورائهم الظعائن والحمول، ومعهم مغنية لهم تعرف بالحضرمية، طائرة السمعة، سافرة من الهودج وهي تغني: