تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكم أظلم على الإنسان طريقه، وعميت عليه أرجاؤه، وأطبقت عليه سحائب سوداء، وأحاطت به ظلمات لا شية فيها من الضياء، فنظر إليها، فإذا هي إلى الغاية دليل، وإذا هي في الظلمات قد استقامت على السبيل!

وكم جارت بالإنسان آراء مضلة، وأفكار غائلة، وأقوال ساحرة، فلما هلك أو كاد، ودارت به الحيرة والإلحاد، أحس اضطرابها في نفسه فسكن، فتهافتت الآراء، وتهاترت الأقوال، وثاب إليه هداه، فوجد أمامه الله! •••

إيه أيتها الإبرة الهادية! ضل الإنسان في صباه وهرمه، وجهله وعلمه، وسعادته وشقائه، ووحدته واجتماعه، وحله وترحاله، لولا هداية الله فيك، وبصيص من نوره في نواحيك، وصلة به لا تنقطع، وشعور به لا يضل، وجذوة من حبه لا تخمد.

وأما الذين أضلتهم الأهواء، فعميت عليهم الأنباء، وتخطفتهم في الحياة المآرب، فتذبذبوا بين شتى المذاهب، وشرق بهم مطمع، وغرب مطمع، وتلونت لهم غيلان من الآمال والأعمال، والذين فقدوا أنفسهم وهم لا يشعرون، وضل سعيهم وهو يحسبون أنهم مهتدون، والذين يلبسون كل يوم زيا، ويبدلون كل حين رأيا، ويلبسون لكل دولة وجها، ولكل سلطان زيا، ويتخذون لكل ساعة لسانا، ولكل فرصة وجدانا، فأولئك أغفلوا النظر إليك، فحرموا الاهتداء بك، أولئك في إبرتهم خلل قد عرض، أو أولئك في قلوبهم مرض.

| بني قومنا

في أربعين الملك الشهيد غازي

1

أيها السادة!

أقوم بينكم مبلغا رسالة الجامعة المصرية، مديرها وأساتذتها وطلابها، المصريين والعراقيين وغيرهم. هذه الجامعة التي شجاها ما شجا معاهد العلم بالعراق من هذا الخطب الجلل، والرزء العميم.

تشارك جامعة فؤاد الأول معاهد العلم العراقية أحزانها، وتحتمل معها آلامها، وتناشدها أن تعزي معها الأمم العربية كلها، وتثبتها في مصابها، فإن العلم الذي يهدي الأمم طريقها، وينير لها في ظلماتها حري أن يثبتها في خطوبها، ويعصمها في محنها.

يا إخوتنا، لا أبغي إثارة الشجن، فما أيسر إثارة الأشجان والمصيبة فادحة، والقلوب دامية، ولا أريد استدرار الدمع، فما أهون استدرار الدمع والرزء جليل، والنفوس باكية، ولكن أريد أن أعرب لكم باسم الجامعة المصرية أننا معكم في السراء والضراء، وشركاؤكم في الشدة والرخاء، وأننا وإياكم متعاونون على العمل للمجد، وعلى احتمال النوائب.

إن هذا الخطب لم يخصكم، ولا نزل بساحتكم وحدكم، ولكنه خطب العرب على اختلاف ديارهم ومذاهبهم، من شرقي دجلة إلى بحر الظلمات، وخطب المسلمين على اختلاف أجناسهم وأقطارهم. إنه رزء العرب وقد استقاموا على طريقتهم، وأقسموا ليبلغن غايتهم، ورفعوا الراية، ومضوا إلى الغاية، رزؤهم في أحد قادتهم، في ملك عربي شاب طموح، استوى على عرش المنصور، مبشرا بعهد الرشيد والمأمون.

إنه رزء العرب والمسلمين في ملك هاشمي من أبناء فاطمة، قامت لمصرعه القيامة في مكة والمدينة، وفي بغداد دار العباسيين، ودمشق دار الأمويين، والقاهرة دار الفاطميين، وبلاد العرب والمسلمين جميعا.

إنه لخطب عظيم، ولكنه ليس أعظم من عزائم هذه الأمة، ولا أكبر من كبريائها، ولا أشد من أخلاقها، ونحن بنو الشدائد، ألفتنا وألفناها، وعركتنا وعركناها.

يا بني قومنا، إن للأمم في معترك الحياة نعمى وبؤسى، وفرحا وترحا، ورخاء وشدة، والزمان قلب، تدور غيره بالخير والشر، والأمم العظيمة الحازمة تأخذ عدتها من مسراتها وأحزانها، ولا تفيت فرصة من لذة أو ألم، وفرح أو غم، ولا تمر بحادثة إلا تدبرت في أمرها، وأخذت لحاضرها، وتزودت لمستقبلها، وتأهبت لأحداث الزمان والحدثان، بل الأمم في أحزانها أقرب إلى الوقار والجد، وأدنى إلى التآخي والإيثار والتفدية، وأجدر بإدراك الحقائق والاعتبار بالوقائع، وجمع الكلمة، وإرهاف العزيمة، فإن الأحزان تجلو النفوس وتنبهها، وترقق الأكباد، وتذهب بالأحقاد.

الأوابد · الصفحة ٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأوابدص ٥٧