رب إن الناس يركنون إلى الدعة، ويعذرون في الواجب، فاجعلني دائبا على العمل لا أمل، قواما بالواجب لا أعتل.
رب إن الناس ينزعون إلى الظلم، ويجنحون إلى المحاباة، ويرضون أنفسهم بباطل يزينونه، وحق ينكرونه، اللهم فبغض إلي الظلم والمحاباة وهوى النفس، واجعل العدل والحق ملء نفسي وقلبي وقولي وعملي.
رب وإن نفسي تنزع إلى إرضاء الأقوياء، والاستهانة بالضعفاء؛ اللهم فاجعل الناس سواسية عندي، واجعلني حربا على الأقوياء المبطلين، نصيرا للضعفاء المحقين، لا تطبيني في حق رغبة ولا رهبة، ولا يأخذني في الصدق خوف ولا رجاء.
اللهم إن الناس استهوتهم الشهوات، وعبدتهم المطامع، تضلهم الكبرياء ، فيصدفون عن الحق، وتضرعهم الذلة، فيخنعون للباطل؛ فاجعلني اللهم متواضعا لا تزهوني نخوة، وقويا لا تأسرني شهوة، وحرا لا يعبدني مطمع، واملأ قلبي كبرا على الصغائر، وأنفة من الدنايا.
اللهم إن القلوب قست، والنفوس أجدبت، والوجوه وقحت؛ فاملأ قلبي رحمة لكل إنسان، ونفسي شفقة على كل حيوان، وأدبني بأدبك، واجعل فكري وقولي وفعلي برا ورحمة وإحسانا.
اللهم واجعلني في الحق جريئا لا أخاف، ومقداما لا أحجم، ومحاربا لا أجبن، عدوا للباطل جريئا عليه، محبا للحق خاضعا له.
اللهم اجعل لي من ذكرك قربا وأنسا، ورجاء وثباتا.
اللهم إني أستقبل يومي مؤمنا بك، متوكلا عليك، مخلصا لك، مجاهدا فيك، راغبا إليك، مستمدا منك.
فأضئ عقلي بالهدى، واملأ قلبي بالأمل، ورغب نفسي في الحق والخير، واشرح صدري، واشدد أزري، واشحذ عزمي لليوم الجديد.
سبحانك لا إله إلا أنت الحق المبين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
| إبرة المغناطيس1
جلست إلى مكتبي البارحة، فوقع بصري على «بيت الإبرة»، فانفتحت أمامي سبل من الفكر لا تحدها غاية، وإني حين أحاول أن أقيد هذه الفكر على القرطاس لمحاول أن أسلسل بهذه الأحرف خطرات الفكر التي تطوي الأجيال في لمحات، وتجمع السماء والأرض في طرفة عين.
قلت: ما أعجب هذه الإبرة! إنها هادية لا تضل، عارفة لا تخطئ، تنتحي الشمال مهما أدرتها عنه، ولا تنسى عهد المغناطيس مهما أبعدتها منه، ومهما جمعت عليها من الحجب والظلمات، وأضعفت لها في المسافات، فهي مولية وجهها شطره، محسة جذبه، موصولة به، خبيرة بوحيه، لا تنساه، ولا تشرك في هواه، ليت شعري أأهدى من الإنسان هذه الإبرة الصغيرة؟ أجل، إنها لتهدي الإنسان في البر والبحر، والسفر والحضر.
أحسست حينئذ خفقان قلبي يذكرني أن في صدر الإنسان إبرة أخرى مرشدة هادية، تتوجه شطر معدنها أبدا، لا يصدها عنه تطاول الأمد، وبعد المدى.
ألم تهد هذه الإبرة الأمم في ظلمات الجاهلية، وغيابات القرون، فعصمتهم على العلات من الهلاك، وأخرجتهم إلى النور على تكاثف الظلمات، ولا تزال هادية بصيرة بالغاية، خبيرة بالسبيل إليها؟ كم عبدت الإنسان شهواته! وأضلته عن الخير مطامعه! فما زالت هذه الإبرة تضطرب في صدره حتى اهتدى سبيل النجاة، ووضع على هداها منار الطريق.
كم طغت بالإنسان ضغائنه وأحقاده، فما زالت هذه الإبرة تخفق في جوانحه حتى عرف إلى الحب والمودة السبيل، واستقام على النهج لا يميل!
وكم غلا الإنسان في ظلمه وعدوانه، فما زالت تتحرك في أضلاعه حتى أشعرته نفسها، ثم ردته إلى خطة للعدل محمودة، وسبيل من الإنصاف رشيدة!
وكم غدر الإنسان ثم اهتدى بها إلى الوفاء، فندم على ما قدم، واغتبط بما أقدم!
وكم أجرم الإنسان، فوخزته فأفاق، فكأنما صور خلقا آخر ينفر من الإجرام، ويركن إلى السكينة والسلام!
وكم سفلت بالإنسان سجاياه، فعملت في صدره، حتى سمت به إلى العلياء، وطارت به من الحضيض إلى عنان السماء!
وكم وقفت بالإنسان همته، فدفعته هذه الإبرة العجيبة، فمضى قدما إلى العمل، وهمزته فدأب لا يعرف الكلل!