دخل المدينة فسار إلى المسجد ليلا، ومضى إلى محراب داود، فصلى فيه، وطلع الفجر بعد قليل، ودوى الأذان في أرجاء المدينة المقدسة لأول مرة؛ صيحة الحق في أعقاب الباطل المهزوم، ترفعها تباشير الصبح في أخريات الظلام، وشهد الله لقد كانت فاتحة الخير والسلم والكرامة للبيت المقدس ومن فيه.
وقرأ عمر في الركعة الأولى سورة «ص»، وسجد حين قرأ آية السجدة:
وظن داوود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب ، ثم قرأ في الركعة الثانية أول سورة الإسراء «سورة بني إسرائيل»، وفيه وصف ما أصابهم على يد البابليين.
ثم تقدم إلى الكناسة؛ الكناسة التي تراكمت على البيت حين أخرب وهجر، والتي عجز اليهود أنفسهم عن إزالتها حين ملكوا أمر البيت.
تقدم إلى الذلة المكدسة على الحرم، تقدم عمر ليزيلها عن البيت، كما أزال عن أهله الظلم والقسوة، تقدم أمير المؤمنين وجثا، وقال: أيها الناس، اصنعوا كما أصنع. وحثا في فرج من فروج قبائه. وإنما فعل عمر ما فعل تكريما للبيت، وتطهيرا وإيذانا بهذا العهد؛ عهد الطهارة والكرامة.
وسمع عمر التكبير فقال: ما هذا؟ فقالوا: كبر كعب وكبر الناس بتكبيره، فقال: علي به، فأتي به فقال: يا أمير المؤمنين، إنه قد تنبأ على ما صنعت اليوم نبي منذ خمسمائة سنة، فقال: وكيف؟ فقال: إن الروم أغاروا على بني إسرائيل، فأديلوا عليهم، فدفنوه، ثم أديلوا، فلم يفرغوا له حتى أغارت عليهم فارس،
11
فبغوا على بني إسرائيل، ثم أديلت الروم عليهم إلى أن وليت،
12
فبعث الله نبيا على الكناسة، فقال: أبشري أوري شلم، عليك الفاروق، ينقيك مما فيك. أتاك الفاروق في جندي المطيع، ويدركون لأهلك بثأرك في الروم.
لقد لبث اليهود خمسمائة سنة ينتظرون أن تطلع شمس الإسلام ويأتي الفاروق، ليحثو التراب في قبائه، ويأمر الناس بتطهير البيت المقدس، وما فقدوا رعاية الإسلام من بعدها إلا تسعين عاما غلب فيها أهل الصليب، فأصاب البيت المقدس ما أصابه، حتى استرجعه رجل من رجال المسلمين، ملك، يتشبه بعمر بن الخطاب في الإشادة بعدل الإسلام، ومرحمة الإسلام. رحم الله صلاح الدين يوسف بن أيوب.
ولكن بني إسرائيل حين رأوا الزمان ينيخ على المسلمين بكلكله، لم يأتوا عونا للعرب والمسلمين، ولم يذكروا فضل الإسلام، ولا حفظوا يد عمر، ولا اعترفوا برعاية المسلمين وحمايتهم إياهم ثلاثة عشر قرنا، بل جاءوا يجزون الحسنة بالسيئة، ويعينون الخطوب على الذين دفعوا عنهم الخطوب، ويناصرون الأعداء على الذين أنقذوهم من الأعداء، ويمالئون الذين دفنوا بيت المقدس على الذين رفعوا عنه التراب والرجس والهوان.
وليت شعري ماذا ينقمون من المسلمين والعرب
يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل ؟
| ورد الصباح1
تنفس الصبح في غسق الليل، ولاحت غرته في هدوء السحر، والنور يسيل من ربا المشرق قليلا قليلا، ويولد اليوم الجديد.
رب فأضئ عقلي بالهدى، ورغب نفسي في الحق والخير، واملأ قلبي بالأمل، وقو يدي على العمل. اشرح صدري، واشدد أزري، واشحذ عزمي لليوم الجديد.
رب قد طويت من عمري صفحات، ونشرت اليوم صفحة، فاجعل صفحتي هذه أوعى للخير، وأخلى من الشر، وزينها بالحق، وبرئها من الباطل، واجعل فاتحتها وخاتمتها الإخلاص لك، والعمل لوجهك. •••
رب إن عقلي يخدع بالوهم، ويقنع بالظن، ويلبس الحق بالباطل؛ اللهم فاهدني وثبتني، وأرشدني وعلمني، واجعل البرهان الواضح حجتي، والحق البين عقيدتي، سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت علام الغيوب.
رب إن قلبي يشوبه الهوى، ويستهويه الباطل، فخلص اللهم قلبي من الأهواء، واملأه بحب الحق، إنك أنت الحق المبين!
رب وإن نفسي تنزع إلى أن تتزيد فيما لها، وتبخس ما لغيرها، وتحمد بما لم تفعل، وتغمط غيرها ما فعل، اللهم فأشرب قلبي العدل فيما بيني وبين نفسي، وفيما بيني وبين الناس، واجعل حق غيري أحب إلي من باطلي، ورضاك آثر عندي من كل شيء!