عزم أهل البيت المقدس أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس: في عهد المسلمين وحمايتهم وعدلهم، ورغبوا أن يكون صاحب عقدهم عمر ، عمر الذي ملأت سيرته الآفاق، وسكنت إلى عدله النفوس، واشتاقت إلى رؤيته العيون.
وفصل عمر عن المدينة في جمع من الصحابة ومعه مولاه أسلم، خرج يغذ السير إلى الشام؛ ليتفقد أحوال المسلمين، ويصالح أهل فلسطين.
ويمضي في طريقه حتى يبلغ أيلة،
2
وينتظر الناس موكب أمير المؤمنين يحسبون أنه سيطلع عليهم في زينته، يحيط به جنده ورجاله. والذي رأى منهم هرقل حين فتح بيت المقدس قبل عشر سنين، أو شهده من بعد في حل أو ترحال، تخيل عمر قادما في موكب كموكب هرقل، أو موكب دونه، ولكنه موكب ملك أو أمير.
لما دنا عمر من أيلة تنحى عن الطريق، وتبعه غلامه، فنزل فمشى قليلا، ثم عاد فركب بعير غلامه، وعلى رحله فرو مقلوب، وأعطى غلامه مركبه.
وكأن عمر خاف أن يداخله الزهو وهو على مركبه في غير زينة، فآثر أن يشعر نفسه أنه وخادمه سواء، فتحول إلى رحل غلامه.
فلما تلقاه أوائل الناس قالوا: أين أمير المؤمنين؟ قال: أمامكم «يعني نفسه». وذهبوا أمامهم، فجازوه، حتى انتهى هو إلى أيلة فنزلها، وقيل للمتلقين: قد دخل أمير المؤمنين أيلة ونزلها. فرجعوا إليه،
3
واجتمع الناس إلى رجل جسيم أصلع أشقر، شديد الحمرة، كثير السبلة
4
في أطرافها صهبة، وفي عارضيه خفة؛ رجل لا تقع العين منه إلا على الوقار والتواضع، والشدة في الحق، والرأفة بالضعفاء. رأوا ملكا في زي ناسك، وراعي أمة في صورة راعي ثلة،
5
رأوا إنسانا لا تفقد فيه الإنسانية حقيقة من حقائقها، ولا يصيب فيه الجبروت باطلا من أباطيله.
اجتمع الأساقفة والرهبان يرون رجلا في يده الدنيا، ولكنها ليست في قلبه، يملكها ولا تملكه، ويصرفها ولا تصرفه، ويستعبدها ولا تستعبده، وليس شيئا أن تكون زاهدا في صومعة، ولكن العظمة كلها أن تكون زاهدا والدنيا تحت قدميك. «ودفع عمر قميصا له كرابيس،
6
قد انجاب مؤخره عن قعدته من طول السير، إلى الأسقف، وقال: اغسل هذا وارقعه. فانطلق الأسقف بالقميص ورقعه، وخاط له آخر، فراح به إلى عمر، فقال: ما هذا؟ قال الأسقف: أما هذا فقميصك قد غسلته ورقعته، وأما هذا فكسوة لك مني. فنظر إليه عمر ومسحه، ثم لبس قميصه، ورد عليه ذلك القميص وقال: هذا أنشفهما للعرق.»
2
وسار عمر حتى نزل الجابية
7
في وسط الشام التي غلب عليها هرقل، ولكنه دخل الجابية كما دخل أيلة: «قدم على جمل أورق، تصطفق رجلاه بين شعبتي رحله، بلا ركاب، وطاؤه كساء أنبجاني
8
ذو صوف، هو وطاؤه إذا ركب، وفراشه إذا نزل، وحقيبة ممزقة، أو شملة محشوة ليفا، هي حقيبته إذا ركب، ووسادته إذا نزل، وعليه قميص كرابيس.»
9
وجاءه رجل من اليهود، وكان اليهود يرقبون روح الله بأيدي العرب، ويدعون الله أن يفرج كربهم، ويذهب عنهم جبروت الروم بأيدي المسلمين، قال اليهودي: السلام عليك يا فاروق، أنت صاحب إيلياء، لا والله لا ترجع حتى يفتح الله إيلياء.
وأقبل وفد بيت المقدس إلى الجابية، فصالحوا، وكتب لهم عهد شهد فيه خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعبد الرحمن بن عوف ومعاوية بن أبي سفيان، وأعطوا الأمان على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم، وألا يكره أحد على الدين، أو يضار في شيء.
وأزمع أمير المؤمنين المسير إلى بيت المقدس، فإذا فرسه يتوجى،
10
فأتى ببرذون فركبه، ومشى البرذون مشيته، فأسرع وهز راكبه، فرأى عمر فيها خيلاء، فنزل وضرب وجهه وقال: لا أعلم الله من علمك. هذا من الخيلاء.
3
دخل عمر بيت المقدس لا مدمرا مخربا كما دخلها بختنصر، ولا مضطهدا أهلها كما دخلها الرومان من قبل، ولا مزهوا بفتحه كما دخلها هرقل قبل عشر سنين، بعد أن غلب الفرس على الشام، ولكنه دخل رافعا لواء التوحيد والعدل، والأخوة العامة، والمرحمة الشاملة.