تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإذا رأيتني متهللا ضاحكا مازحا فكها، فاصحبيني يا بنية واغتبطي، واستزيدي واطربي، واسترسلي في حديثك وضحكك، ومرحك ولعبك، وسليني ما شئت عن الجمال والحب يتجليان في كل خلق، والنضرة والنعيم ينطق بهما كل شيء، وسليني عن محاسن الناس، صدقهم ووفائهم، وتعاونهم ومواساتهم، فستسمعين عن ملائكة تمشي على الأرض، وأبرار تسعد بهم الحياة.

وحذار يا بنيتي ثم حذار أن تذكريني التعس والشقاء، والنضب والعناء، والشر وفاعليه، والإثم ومقترفيه؛ فإني أشفق عليك أن تهب العاصفة، ويموج القلب، ويتجهم الوجه، فتريني نادبا راثيا، ساخطا زاريا، يرد عليك العالم نسجا أسود حاكته المصائب والآلام، وطرزته الأوجاع والأسقام. إني أخاف عليك أن يثور بي الغم، فلا أحدث إلا عن مأساة مكانها الأرض والسماء، وستورها الصباح والمساء، وسطورها الدموع والدماء، وأشخاصها كل من نسل آدم وحواء.

أخاف أن تريني شاعرا يجيد الأنين والشكوى، ولا يعرف الصبر والسلوى، يعرض عليك قصيدة محبوكة الطرفين بالغم، باكية الأوزان حزينة النغم، تنوح قوافيها، ويولول رويها، ليس في تفاعيلها إلا الأنات، ولا في مصاريعها إلا الزفرات، أشفق عليك يا بنيتي ألا أريك في وميض البرق إلا سواد السحاب، ولا في تلألؤ النجوم إلا رجمة الشهاب، وأن أنشد مع المعري:

إن دنياك من نهار وليل

وهي في ذاك حية عرماء

3

لا أرى في الورد إلا الشوك، ولا في النبات إلا الحنظل، ولا في الميلاد إلا الموت، ولا في الإدراك إلا الفوت.

كذلك يا بنيتي خلق أبوك قيثارة تسر وتشجي، وتضحك وتبكي، وكذلك صب في قلبه مرارة البحار، وعذوبة الأنهار، ليس بينهما برزخ. وهو الصخرة تقدح الشرر، وتنبثق عن الينبوع السلسبيل.

إما رأيتني يا بنية واجما مكتئبا، فلا تعنفي علي، فتنكئي جرح الفؤاد، ويفيض عليك بالحزن كل واد، ولكن اصبري للعاصفة حتى تمر، وللنار حتى تهمد، فإن أشفقت على أبيك أن يملكه الحزن، ويزلزله العذاب؛ فسارعي إلى بيانك

piano ، واختاري أسعد الأغاني، ثم تلطفي في العزف، وأرسلي صوتك خافتا كالبعيد من الصدى، وابعثي إلي النغمات كأنفاس الصبا، حتى تمسح على جبيني الملتهب، وتخفف من الحزن الثائر، وترفه عن القلب المائج، حتى إذا انبسطت الأسارير، وتهلل الوجه النضير، فانشطي بصوتك، واشتدي على بيانك.

ثم اختلسي النظرات إلي، فإذا أيقنت أن أشعة السرور بددت ظلام الحزن، وأن قد أديل من ليل اليأس لصبح الأمل، فأسمعيني ضحكك، ثم سارعي إلى أبيك فعانقيه، وساقطي على جبهته قبلاتك تساقط الندى في أعقاب الظلام، ثم حدثيني أحدثك بما يطربك.

وهكذا يا بنيتي الحبيبة علي أن أسعدك في ساعات عديدة، وعليك أن تفرجي عني دقائق معدودة، عليك أن تزحزحي عني ظلام الهموم، وعلي أن أخط لك من السعادة هالة لا يقوى عليها جون الغمام، ولا يذهب ببهائها حلك الأيام، عليك أن تفتحي للبلبل قفصه، وعليك أن يملأ لك الدنيا غناء وتطريبا، وشدوا وترجيعا، عليك أن تدليه على مفتاح الموسيقى، ثم تستمعي لعزفه، وأن تقدمي له طاقة من الورد، ثم تنصتي إلى وصفه.

عليه أن يعرض عليك جنة عرضها الأرض والسماوات، وعليك أن تعطيه مفتاحها إذا أذهلته عنه الحادثات، وأن تشيري إلى الباب إذا أضلته عنه الغير، وغشى على عينه سواد الفكر. عليك أن تمكنيني من القلم، وعلي أن أسطر لك قصيدة سعيدة النغم، وأنظم لك عقدا يتلألأ على صدرك، ويسطع في أيامك، عقدا مثل أبيك من ينظمه، ومثلك من يحمله.

وبعد فيا بثينة، قد وقف القلم، وغام الحزن على وجه أبيك، فليتك هنا لتنقذيه مما به.

| عمر في بيت المقدس1

1

هذا عام ستة عشر من الهجرة، وقد انسابت جيوش المسلمين في الشام والعراق وفارس، وألقت أقاليم الشام بالمقاليد إلا فلسطين، وأبو عبيدة بن الجراح يحصر بيت المقدس، وقد ملأ الأسماع والقلوب بأس المسلمين وعدلهم ووفاؤهم.

الأوابد · الصفحة ٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأوابدص ٥٣