ولكن العرب الكثيرين من قريش وغطفان ويهود - وهم طلائع جيش الأرض كلها - لم يكونوا في أنفسهم، وفيما انطوت عليه هذه الأنفس من معان أقوى ولا أولى بالظفر من هذه الجماعة القليلة. دع للعدد القليل وللعدد الكثير، وانظر هذه المعاني تتقاتل تجد التوحيد يحارب الوثنية، والفضيلة تقاتل الرذيلة، والنظام يدافع الفوضى، تجد الخير والشر، والعدل والجور، والحرية والعبودية، والحق والباطل في معترك، فانظر لأي هؤلاء العاقبة!
وهل كان المعول في يد رسول الله، وضربات المعول في هذا الصخر الأصم، وهذه البرقات التي ماج بها الهواء كالمصباح في بيت مظلم إلا الحق يصادم الباطل، والإيمان يصاول الشرك، والنور يمزق الظلام، والحق العزيز المصمم يكسر ما يعترضه، ويدمغ ما يصده.
كانت هذه الضربات رموزا لما وراءها من جهاد وجلاد، وكان هذا الضوء بيانا لما يتصل به من هدى، وكانت يمين الرسول العزم المصمم، وكان كل خير وحق وفضيلة في النفس التي تبطش بهذه اليد.
كانت هذه المعاني كالشرارة الصغيرة تؤجج ما شاء الله من نار ونور، والآحاد في الأعداد تستوعب كل ما يدركه العد، وكالفكرة الأولى تفتح للعقل طريقا مديدا، ومذهبا جديدا، وكحروف الهجاء تنتظم لغات العالم، وكقرص الشمس يغمر العالمين نورا.
كذلك سخر الذين سمعوا قصة «محمد» ومعوله، وعرفوا حديث القائد المحصور يبشر بفتح العالم! ولكن كثيرا من هؤلاء الساخرين عاشوا حتى سمعوا صدى هذه الضربات في «اليرموك» و«القادسية»، وما تلاهما شرقا وغربا، وأبصروا برقها يصعق «يزدجرد» و«هرقل» وجنودهما، وكل جند للباطل على ظهر الأرض.
ورأوا المعاني التي مثلتها هذه الضربات، وقد صارت بالباطل غير رفيقة، وزلزلت الظلم غير مشفقة، وانتشرت في المشرق والمغرب كالسحاب مجلجلا، مضيئا، صاعقا، ممطرا منبتا.
عاش الساخرون عشر سنين، فرأوا جزيرة العرب تدين لصاحب المعول، ورأوا فارس والروم تخر لضرباته، والمشرق والمغرب يستضيء بهذه البرقات، وعلموا يقينا أن محمدا صدقهم حينما وعدهم فتح العالم وهو قائم في الخندق يحطم بمعوله الصخرة التي أعيت على أصحابه.
| عمر المختار وأصحابه1
في كل فج عزمهم سيار
إلى الردى تهافتوا وطاروا
في حومة الموت لهم أوطار
جماعة ليس لهم ديار
إلا ظهور الخيل والغبار
يصول فيهم بطل مغوار
شيخ المنايا عمر المختار
تأبى لهم كرامة الإسلام
يأبى إباء العرب الكرام
أن يسلموا الأوطان دون الهام
منيتهم مشارع الحمام
بين ربا برقة والوديان
وفي الدحال وعلى الرعان
وفي شعاب الأرض والمحاني
فلوا جيوش الظلم والعدوان
ومزقوا كتائب الطليان
ووسموا معاطس الزمان
وأنفوا مواطن الهوان
تأبى لهم كرامة الإسلام ... ... ... ... ...
سلاحهم عزيمة الجهاد
وقوتهم ما سلبوا الأعادي
يصابرون الأكبد الصوادي
ويأكلون الجوع في البوادي
قد يئسوا يأسا من الأمداد
إلا ثبات القلب في الجلاد
ونصرة الرحمن للعباد
تأبى لهم كرامة الإسلام ... ... ... ... ...
أولئك العرب بني الحتوف
بقية الأرزاء والسيوف
قد ثبتوا في المأزق المخوف
بكل قلب بالردى هتوف
آبى الدنايا ثائر عيوف
قد انتموا لشمم الأنوف
تأبى لهم كرامة الإسلام ... ... ... ... ...
نبئت أن القوم عاودوا الجلد
فقتلوا رهن الحبالة الأسد
ليهنهم ليهنهم عار الأبد
يا عمر المختار ليثا يفتقد
يا خالدا قرين خالد يعد
للموت قد حملتم هذا الكبد
لو شئتموا لكان عنه ملتحد
أبت لكم كرامة الإسلام ... ... ... ... ...
قد رعتهم في حومة النزال
وجئت بالممكن والمحال
حتى رأوا قتلك في الأغلال
مأثرة تليق بالرجال
فلتهنهم شجاعة الأبطال
ولتهنهم مفخرة الأجيال
بطولة تنوء بالجبال
أبت لكم كرامة الإسلام ... ... ... ... ...
يا قومنا وكم مضت لكم عبر
يعرف فيها أمره من اعتبر!
العربي عندهم دم هدر
إسلامه جناية لا تغتفر