تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2

حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله تكبير فتح وكبر المسلمون. ثم ضربها رسول الله الثانية، فصدعها، وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتيها، حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله تكبير فتح وكبر المسلمون، ثم ضربها رسول الله الثالثة فكسرها، وبرقت برقة أضاءت ما بين لابتيها، حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله وكبر المسلمون.

ثم أخذ بيده سلمان فرقي، فقال سلمان: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد رأيت شيئا ما رأيته قط! فالتفت رسول الله إلى القوم فقال: هل رأيتم ما يقول سلمان؟ قالوا: نعم يا رسول الله، بأبينا أنت وأمنا! قد رأيناك تضرب فيخرج برق كالموج، فرأيناك تكبر فنكبر، ولا نرى شيئا غير ذلك.

3

قال رسول الله: أما الأولى فقد أضاءت لي منها قصور الحيرة ومدائن كسرى، والثانية أضاءت لي منها قصور الحمر من أرض الروم، والثالثة أضاءت لي منها قصور صنعاء؛

4

فأبشروا يبلغهم النصر! وأبشروا يبلغهم النصر، وأبشروا يبلغهم النصر.

3

إن هذا لشيء عجاب: جماعة قليلة لم تستطع الدفع بأيديها وأسلحتها فاعتصمت بالخندق تتقي به عدوا أكثر عددا، وأعظم عدة، جماعة قليلة جاهدة يدهمها عدو حاقد محنق قد صمم على أن يستأصلها، وليس لهذه الجماعة ردء على الأرض ولا مدد، وهي تكدح لحفر الخندق، وتكل أيديها، فينزل قائدها يعينها ويواسيها، على حين أحاط بها الخوف

وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا .

وفي هذه المخاوف، وعلى هذه الحال يتحدث هذا القائد بفتح المشرق والمغرب، ما أعظمها دعوى! وما أعجبها أمنية!

كذلك قال الذين رأوا عددا قليلا من الناس يحفر أرضا ليتقي عدوه، ولم يروا ما وراء هذه الأجسام القليلة من معان كثيرة.

قالوا: «ألا تعجبون؟ يحدثكم ويمنيكم، ويعدكم الباطل، يخبركم أنه يبصر من «يثرب» قصور «الحيرة» و«مدائن كسرى»، وأنها تفتح لكم وأنتم تحفرون الخندق ولا تستطيعون أن تبرزوا.»

وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا .

أجل، من ير هذه الجماعة القليلة تدرأ عن نفسها بهذه الحفيرة، يعجب ألا يشغلها ضعفها، والهول الذي دهمها، والخوف الذي أحاط بها عن التحدث بالفتح؛ فتح المشرق والمغرب

إنها لإحدى الكبر !

4

لا لا، لم تكن في المدينة جماعة قليلة، ولكن كان الحق يصاول الباطل، والخير يدفع الشر ، والإيمان ينازل الكفر، والتوحيد يواثب الشرك، والعزم يقاتل الخور، والاجتماع يثبت للافتراق، والصبر يصمد للجزع، واليقين يتحدى الشك، كانت معان تقاتل معاني، وما ضر المعنى الظافر في سنة الله قلة أنصاره على الأرض، ولا نفع المعنى المنهزم في قانون الله كثرة سواده في الناس.

وما كان مسلمو الخندق يحادون قريشا وغطفان ويهود وحدهم، بل كانوا يحادون الأمم كلها. لقد انقسم العالم يومئذ فريقين: أهل المدينة الذين يحفرون الخندق، ومن في خارج المدينة في جزيرة العرب وفي غير الجزيرة من أقطار الأرض كلها.

لقد كان هذا الخندق فاصلا بين جماعتين: جماعة قليلة تحتضن حقا وليدا، وتاريخا جديدا، وتلتف حول عقيدة وشريعة وخلق، وبين سواد الأمم كلها يموجون في باطلهم، ويسيرون في مواكب للجهالة والإثم، والعدوان والظلم، ويحوطون أوثانا من الحجر، أو أصناما من البشر.

وما كان العرب إلا العدو الأدنى، عرف هذه الجماعة فحذرها، وكرهها فآذاها، ثم أشفق منها، فائتمر بها، وعزم ليأخذن عليها الطريق، وليمنعنها أن تنتشر على الأرض، وليفرقن جمعها، ويبددن نظامها، ويبطلن دعوتها. وكانت أمم الأرض كلها من وراء هؤلاء العرب حربا على هذه الجماعة لو قاربوها وخالطوها.

وما كان العرب المشركون في حرب العرب المسلمين وأعدائهم إلا حدا بين عصر وعصر، وفاصلا بين تاريخ وتاريخ.

الأوابد · الصفحة ٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأوابدص ٥٠