تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لليهود ماض في فلسطين، وللعرب ماض وحاضر، لليهود فيها تاريخ انقطع منذ عشرات القرون، وللعرب تاريخ موصول منذ عشرات القرون.

لليهود في فلسطين تاريخ ذليل مشرد، انقطع بجلائهم عنها، ويأسهم منها، وللعرب تاريخ مجيد عزيز، دافع عنها في غير يأس، واستقر بها في غير ذلة.

لليهود في فلسطين أحجار مهدومة يبكون عليها، هي بقايا الأحداث، وفضلات العصور، وللعرب آثار قائمة مشيدة، تصل تاريخهم، وتشهد بمآثرهم، وتكذب دعوى اليهود في كل بقعة.

لليهود في فلسطين صفحات في الكتب، وللعرب صفحات خالدات في أوديتها، وجبالها، ومدنها، وقراها.

ولو لم يكن للعرب في فلسطين إلا أنهم دافعوا الصليبيين فيها، وحولها أكثر من مائتي عام، حتى أجلوهم عنها، وأقروا مجدهم وتاريخهم فيها، لكان هذا كفيلا لم بحقهم فيها أبد الدهر! •••

حق العرب في فلسطين يقاتل باطل اليهود، وإحسان العرب يقاتل كفران اليهود، وكرم العرب يلاقي لؤم اليهود.

يتقاتل في فلسطين الحق والباطل، والخير والشر، والمروءة والنذالة، والأخلاق الإنسانية العالية، والطبائع الحيوانية الدنيئة، والتاريخ العزيز القائم، والتاريخ الذليل الميت!

وإن عدل الله - سبحانه - وإن كرامة الإنسان، وإن أخلاق البشر، وسنن الخليقة لتأبى أن يغلب جند الباطل جند الحق، والفئة اللئيمة الفئة الكريمة، وأعوان الشر أعوان الخير، وحزب الشيطان حزب الله

بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون .

| ضربات معول

1

في العام الخامس من الهجرة تألب الشرك على التوحيد، وائتمر الباطل بالحق، وكاد الشر للخير. تقاسم رءوس الضلالة ليغزن «المدينة»، وليقتلن هذه الجماعة الناشئة، وليبطلن تلك الدعوة الجديدة.

مشى يهود «خيبر» إلى قادة قريش، وحرضوا القبائل الضاربة غربي «نجد» وشرقي «خيبر»؛ قبائل غطفان، فاجتمعت كلمة هؤلاء وهؤلاء على غزو «المدينة» والبطش بالمسلمين.

ورأى المسلمون أنهم لا قبل لهم بهذه الأحزاب، لا يستطيعون دفع قريش وغطفان وألفافهما، لا قبل لهم بهذه الجموع الحاشدة من قيس عيلان وقريش ومن انحاز إليهم. هذه الجموع التي قال فيها حيي بن أخطب، أحد زعماء اليهود الذين ألبوا الناس على المسلمين، حين جاء إلى كعب بن أسد القرظي، رئيس بني قريظة - وهم بقية اليهود في «المدينة» - فقال له يحرضه على نقض عهد المسلمين: «ويحك يا كعب! جئتك بعز الدهر، وببحر طام، جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلهم بذنب نقمى إلى جانب أحد، قد عاهدوني وعاقدوني على ألا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه.»

أهم المسلمين هؤلاء الأعداء، فأشار سلمان الفارسي بحفر خندق يصد الجيوش عن المدينة، فخط رسول الله

صلى الله عليه وسلم

في موضع المخافة من المدينة، وذلكم في شماليها، من حيث يطمع العدو في دخولها. وأما الجوانب الأخرى فكانت ممتنعة على الغزاة بجبالها ونخيلها. خط الرسول الخندق من أجم الشيخين إلى المذاد،

1

وقطعه بين الصحابة أربعين ذراعا، لكل عشرة رجال، وجد المسلمون ليفرغوا من الخندق قبل أن يدهمهم العدو، والرسول يشرف عليهم، يشاركهم أحيانا في عملهم وارتجازهم.

2

وبينما عشرة من الصحب يحفرون قسمهم من الخندق إذ لقوا صخرة قاسية أثرت في معاولهم، ولم تؤثر فيها المعاول، وكرهوا أن يعدلوا عنها فيحيدوا عما خطه الرسول لهم، فقالوا لسلمان الفارسي، أحد هؤلاء العشرة: اصعد فانظر ماذا يأمر رسول الله؟ فرقي سلمان فقال:

يا رسول الله، بأبينا أنت وأمنا، خرجت صخرة بيضاء عن الخندق مروة فكسرت حديدنا، وشقت علينا، حتى ما نحيك فيها قليلا أو كثيرا، فمرنا فيها بأمرك؛ فإنا لا نحب أن نجاوز خطك.

قال راوي القصة عمرو بن عوف المزني:

فهبط رسول الله مع سلمان في الخندق، ورقينا نحن التسعة على شفة الخندق، فأخذ رسول الله المعول من سلمان فضرب الصخرة ضربة صدعها، وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتيها،

الأوابد · الصفحة ٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأوابدص ٤٩