وقينا بحسن الصبر منا نفوسنا
فصحت لنا الأعراض والناس هزل
حسب الصهيونيون أن الأمم مال وربا، وأشكال وألوان، وهياكل وجدران، وبغي وعدوان، وغفلوا عن حقيقة الإنسان. الإنسان الكريم نفس كريمة، وقلب شجاع، وخلق أبي، وما وراء ذلك صور وزخارف، وخدع وأباطيل، تذوب إذا وقدت النار، وتبوخ إذا حمي الوطيس.
ألا ساء فأل الأوغاد وخاب ظنهم حين زينت لهم أموالهم وزخارفهم أنهم للعرب أكفاء وأنداد، فلتبطل دعواهم الوقائع، ولتكذب ظنونهم المعارك.
ألا إنه إن تحدى باطل الصهيونيين حق العرب، وجرؤ شذاذ الآفاق على خير الأمم، ولم يلقوا كفاء بغيهم من ردع، وجزاء عدوانهم من خزي:
فيا موت زر إن الحياة ذميمة
ويا نفسي جدي إن دهرك هازل
أيها العرب الأباة، إنه يوم له ما بعده، فاصدعوا الأهوال بقلوب متفقة، وأيد مجتمعة، وامضوا إلى الغاية التي هي بكم أجدر، وبتاريخكم أليق، إنكم تقاتلون حيث قاتل آباؤكم في اليرموك وأجنادين وحطين، وقد حطموا الباطل في كبريائه، وردوا البغي في غلوائه، فزلزلوا بهؤلاء البغاة الديار، وردوا جند الصهيونيين بالخزي والدمار، واتركوها على التاريخ مأثرة إلى مآثر آبائكم، وسجلوها على الأيام مفخرة إلى مفاخر أسلافكم
ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين .
الكرم واللؤم
1
ما ينقم اليهود من العرب إلا أنهم حموهم، وأحسنوا إليهم، وفسحوا لهم في ديار العرب يعيشون أحرارا، ويغشون معابدهم كما يشاءون، ويتولون أمورهم الدينية دون حرج .
فتح العرب فلسطين، والروم يسيطرون عليها، والأمكنة التي يقدسها اليهود، والتي يعادون العرب من أجلها اليوم مزابل عفى عليها الزمان والهوان، فطهر العرب هذه الأمكنة، وجعلوها مساجد تعظيما لها، واتباعا لأمر الإسلام الذي يعترف بما في الأديان السابقة من حقائق ويعظمها، ويبين أنه الدين العام الجامع، الذي يجمع كل ما أوحاه الله إلى رسله في العصور كلها، والأقطار جميعها، بعد أن ينفي عنها تحريف المبطلين، ويخلصها مما علق بها من خرافات الجاهلين.
وعاش اليهود في كنف العرب أحرارا في فلسطين وغير فلسطين، وتبحبحوا في الأقطار العربية خاصة، والإسلامية عامة، وساروا سيرتهم في عبادة المال، والتوسل إليه بكل الوسائل، فوجدوا مرتعا خصبا، ومتقلبا فسيحا.
وقد بلغوا في أقطار العرب مناصب علية، وكان لجماعات منهم شأن عظيم في الدولة الفاطمية في مصر، والدولة الإيلخانية في العراق، ودول العرب في الأندلس وغيرها. •••
ثم ضرب الدهر ضربانه، ودار الفلك دورانه، وجاء اليهود إلى فلسطين يزحمون أصدقاءهم في ديارهم، ويستعينون على حماتهم بالأمم التي كرهتهم وأذلتهم وشردتهم، ففقدوا بأعمالهم صداقة العرب، ولم يكن لليهود صديق سواهم في هذا العالم.
وينسى اليهود تاريخهم وتاريخ العرب كله، ويرمون العرب بكل ما علمتهم أوروبا من عدوان، وبكل ما في سجاياهم وتاريخهم من ختل وعداوة للبشر جميعا، إلا من كان يهوديا، وقالوا بزعمهم: هذه بلادنا ومواطننا، نحن أولى بها، قد عشنا فيها زمنا، وسيطرنا عليها حقبة، ولسنا نبالي أن يكون العرب استوطنوها بعدنا، وعاشوا فيها أكثر مما عشنا، وسيطروا عليها أطول مما سيطرنا، ودافعوا عنها ونحن مشردون في أقطار الأرض، وهم اليوم فيها يعمرونها، ويقلبون في أرجائها، ويحفظون فيها آثارهم ومآثرهم، وفي جوانبها قبور آبائهم الذين استشهدوا فيها، ودفعوا عنها جبروت الروم، وجالدوا من أجلها الصليبيين مائتي سنة!
يقول اليهود: لا نعرف التاريخ، ولا نذكر فضل العرب؛ فإنا قوم لا نزن الأمور إلا بالمال والمنفعة، ولا نقدر الأشياء إلا بفائدتنا وشهوتنا، وإن نال غيرنا ضر؛ فهذا الضرر هوانا وبغيتنا، وبه جذلنا وغبطتنا، فإننا نعمل لأنفسنا، ونبغض البشر أجمعين، سواء منهم من أساء إلينا - كأهل أوروبا - ومن أحسن إلينا كالعرب، ولكننا نستعين بجماعة على أخرى، ونتمنى أن يهلكوا جميعا! •••