قال الظاهر للشيخ: اخرج من بلدي. يعني دمشق.
قال الشيخ: السمع والطاعة. وخرج إلى نوى.
فأنكر الفقهاء أن يخرج مثل النووي من المدينة، وسألوا السلطان أن يرجعه، فأمر السلطان بإرجاعه، فأبى الشيخ وقال: لا أدخلها والظاهر بها.
لست أدري أكان السلطان محقا في فرض ما فرض من المال أم لا، ولست - لذلك - أعرف أكان الشيخ محقا في جبه السلطان بما جبهه به، ولكن لا ريب عندي أن السلطان أحسن حين التمس فتوى العلماء قبل أن يجمع المال، وأن الشيخ أدى واجبه حين صارح السلطان بما يعتقد، ولم يأخذه في الحق خوف ولا طمع، وأن محيي الدين النووي قد فقه أحسن الفقه ما على العلماء من النصيحة لأولي الأمر، والجهر بالحق في غير مداهنة ولا خوف.
رحم الله النووي، لقد كان من علماء المسلمين، ولله تاريخ المسلمين كم فيه من أمثال محيي الدين!
| الفريقان المتحاربان في فلسطين
الحق والباطل
يحترب في فلسطين فريقان: فريق العرب يذود عن ذماره، ويدفع عن حقه، ويدعو إلى النصفة والعدل، وإلى أن يعيش هو وخصمه أمة واحدة في بلد واحد، لكل حقه، وعلى كل واجبه.
وفريق آخر من شذاذ الآفاق، وخبث الأقطار، يلجون على العرب ديارهم، بأيديهم المال والسلاح، وما أورثهم تاريخهم والعيش الذليل في أوروبا من ختل وغدر، يظنون أنهم صاروا أمة لأن باطلا يجمعهم، وعدوانا يربط بينهم. وكل فرقة منهم تنمى إلى أمة، وكل جماعة تنتسب إلى بلد، وكل فرد يحمل سحنة تنافر سحنة أخيه، ولا تشبهها إلا في سمات اللعنة فيها، ومياسم الخزي عليها.
ويقول هؤلاء الأرذلون: لا نرضى نصفة معكم، ولا مساواة بكم، ولكنا نريد وطنا ودولة، وأنف الحق راغم، ودعوة العدل صاغرة، وإن لنا قوة من سلاحنا، ومالنا، وحيلنا، وغدرنا، وخيانتنا، ولنا أعوان في أوروبا وأمريكة يسحرون بالمال، ويسخرون بكل الوسائل رؤساء الدول، وأئمة الساسة، وأصحاب الصحف، وبيدهم المصارف ودور السنيما وكل وسائل النشر والتضليل؛ فيأيها العرب المساكين، أفسحوا المجال لدولة إسرائيل!
ويقول العرب: لا لا، بل
تعالوا إلى كلمة سواء ، نسويكم - أيها الطراء المتطفلون - بأهل البلاد الذين أقرهم التاريخ فيها، لا يعرفون غيرها وطنا، ولا يتخذون غيرها دارا، فهلموا إلى الدولة الواحدة، والشريعة العادلة، والتآخي والتناصف!
فتقول هذه الوجوه الملعونة، وهذه الفئات الطريدة: لا لا، إن أرضكم لنا، ودياركم لدولتنا، فانزلوا على حكمنا صاغرين!
ويحمى العربي، وهو سمح لا خنوع، وجواد لا جبان، وحليم لا ذليل، ويستنصر حقه، ويتوكل على ربه، ويستمد سجاياه وشيمه، وأخلاقه ومكارمه، ثم يستوحي تاريخه، ويحشد مآثره؛ فيستبق إليه من أحداث تاريخه ومآثر أمته ما يثبته في المحنة، ويوقره في الشدة، وينثال إليه من عز ماضيه ومجد سلفه ما يهون عليه كل خطب، ويقحمه كل هول.
ويصول عليه عدوان اليهود ومن ورائه مدد من قوى أوروبا وأمريكة، وتدور به خدع المخادعين، وتهاويل المهولين، وهو العربي الذي يعرف نفسه ويعرفه التاريخ، ويهزأ بالشدائد إذا جد الجد، ويحقر الأهوال إذا اشتد البأس:
فأثبت في مستنقع الموت رجله
وقال لها: من تحت أخمصك الحشر!
إن العربي يعرف ما في أيدي أعدائه، وأعوان أعدائه من مكر، وما لديهم من مال وسلاح، وما عندهم من علم وفن، ولكنه يعرف كذلك ما له من حق، وما عنده من كرامة، وما فيه من إباء، وما يمده به تاريخه من ثبات في الأزمات، وصبر في الخطوب، فيقدم على الأهوال ذاكرا قول سلفه:
إذا هم ألقى بين عينيه عزمه
ونكب عن ذكر العواقب جانبا
ويتقدم، فيزيده الهول مضاء والنار صفاء، منشدا:
فإن تكن الأيام فينا تبدلت
بنعمي وبؤسي والحوادث تفعل
فما لينت منا قناة صليبة
ولا ذللتنا للذي ليس يجمل
ولكن رحلناها نفوسا كريمة
تحمل ما لا تستطيع فتحمل