فينبغي أن يسوغ الجمع في المنظومة الواحدة بين أبيات على فاعلاتن، وأخرى على فاعلات أو فاعلا تيسيرا للناظم، ولكن الجمع بين فاعلا وفاعلات حسن لا عيب فيه؛ لأن الحرف الأخير في فاعلات لا يتأتى إلا بعد مد. وبهذا المد يتم الوزن، فيأتي الحرف بعد المد نهاية للصوت، فلا يشعر المنشد باختلاف النغمة بين فاعلا وفاعلات، مثال هذا: البيتان الآتيان:
رب معنى في ضمير يكتم
ليس في الناس عليه محرم
وقلوب رمسها هذي الصدور
أتراني مسمعا من في القبور؟
البيت الأول بني على فاعلا، والثاني على فاعلات، لكن الراء في كلمتي الصدور والقبور واقعتان بعد مد، فتأتيان في نهاية الصوت كأنهما لا تحسبان في وزن البيت، وليس الأمر كذلك في الجمع بين فاعلاتن وغيرها؛ ففي البيتين الآتيين:
كان لي الليل مدادا فنفد
وطغى قلبي بمد بعد مد
جاشت الظلماء موجا بعد موج
وغزاني الوجد فوجا بعد فوج
إذا سكنت الجيم في موج وفوج يبنى البيت على فاعلات، فتجده قريبا جدا مما قبله، وإذا حركت الجيم يبنى على فاعلاتن، فيبعد عما قبله بعض البعد، فينبغي أن يجتهد الناظم ألا يجمع بين فاعلا أو فاعلات وبين فاعلاتن في منظومة واحدة؛ رعاية لانسجام النغمات.
وإني أدعو أدباء العربية إلى العناية بهذا المثال الذي أقدمه في المعاني والقوافي ليقبلوه على بينة، أو يردوه بالحجة. والله ولي التيسير.
أيها الليل، إليك المفزع
كم حنت منك علينا أضلع!
كم خفينا في غيابات الدجى
وملأنا الليل هما وشجا!
كم ألفت الليل أما حانيه
وكرهت النجم عينا رانيه!
كم ألفت الليل وحشا راقبا
في شعاع الصبح سهما صائبا!
كم بثثت الليل سرا كتما
فوعاه الليل عني ألما؟
كانت الظلماء لوحا للألم
خطت الآهات فيه كالقلم!
كان لي الليل مدادا فنفد
وطغى قلبي بمد بعد مد
جاشت الظلماء موجا بعد موج
وغزاني الوجد فوجا بعد فوج
فنيت هذي، وهذا زاخر
وانجلت هذي، وهذا غامر
خلتني في الليل جمرا سعرا
ونجوم الليل منه شررا
إرة قد وقدت في أضلعي
1
وسحاب هاطل من أدمعي •••
كنت سطرا لم يفسره أحد
خطه في غيبه الله الصمد
في ضميري كل معنى منبهم
حرت في الإعراب عنه بالكلم
قد ثوى العالم في قلبي وما
خط شيء فيه إلا الحرف «ما»
2
جل قلبي أن أراه جام جم
3
صور الأقطار فيه تنتظم
إنما الأقطار في قلبي العميد
أحرف أوحت إلى معنى بعيد
رب معنى في ضمير يكتم
ليس في الناس عليه محرم
4
وقلوب رمسها هذي الصدور
أتراني مسمعا من في القبور؟
5
أنا في الناس فصيح أعجم
ناطق فيهم كأني أبكم!
صمت الآذان عن هذا البيان
ضاع في ضوضائهم هذا الأذان!
كيف يجدي القوم هذا النغم
وعلى الآذان ران الصمم؟
كيف يجدي القدح في هذا الحجر؟
قلبه رخو خلي من شرر
إن خفق القلب قدح مجهد
بعضه يورى، وبعض يصلد
كيف يجدي النفخ في هذا الرماد
طفئ الجمر ولم تور الزناد؟!
5
6
يخرق الليل شعاع يخفق
ثم يلتف عليه الغسق
كمنار البحر يخفى ويلوح
فيه بين الغيب والومض وضوح
أو يراع الليل يخفى وينير
فهو سطر من غياب وحضور
7
تارة يبدو طريقا لحبا
قامت الظلماء فيه نصبا
أو بيانا من بياض وسواد
كبياض الطرس يعلوه المداد
كل لون فيه حرف مفصح
ألفت منه سطور وضح
وأراه تارة خطأ أحم
وكأن الضوء تفصيل الظلم
فهو سطر من ظلام أرقط
أعجمت معناه تلك النقط
كل لون فيه حرف أعجم
وحوى الأحرف سطر مظلم
8 •••
يا لبينى أوقدي، طال المدى
أوقدي عل على النار هدى
9
أوقدي يا لبن قد حار الدليل
أوقدي النار لأبناء السبيل
ارفعي النار وأذكي جمرها
عل هذا الركب يعشو شطرها
شردي هذا الظلام الجاثما
أرشدي هذا الفراش الهائما
حبذا النار بليل توقد
حبذا المؤنس هذا الموقد
حبذا عندك هذا النزل
لو حدانا في سفار منزل
ما لذا المنزل قد سار الفريق
إنما النيران أعلام الطريق
قد ترحلنا من الفج العميق
لا نبالي بقريب أو سحيق
رن في آفاقنا هذا النداء
فأممنا البيت يحدونا الرجاء