تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فيهما أنه العزيز الذليل

هذا موقف الذلة والمهانة، والضعة والاستكانة، موقف من لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، ولا يجلب لها خيرا ولا شرا:

رب عيش أخف منه الحمام!

ذلكم درس للحادثات مبين، وعظة للخطوب بليغة، فعلى المصريين راعيهم ورعيتهم، ودهمائهم وقادتهم أن يفهموا الدرس ويعوه، ويتدبروا الموعظة، وينتفعوا بها، ومهما تنجل عنه السحب المكفهرة، وتنكشف عنه الحادثات المنذرة؛ فليعملوا برأي واحد، ويد واحدة، ويتوسلوا بالعزم والحكمة، حتى لا يقفهم الزمان هذا الموقف مرة أخرى

إن في ذلك لذكرى .

| لمعات

إلى الفيلسوف الشاعر محمد إقبال

جوابا لكتابيه «أسرار خودي» و«رموزبي خودي»:

1

للصوفية فلسفة عالية في العالم والإنسان والخالق، ولهم آراء حكيمة في الأخلاق والاجتماع، وقد صاغوا كثيرا من آرائهم في صور شعرية جميلة، تجلى فيها القلب الإنساني في أرقى مداركه، وأصفى منازعه، وصور فيها خفايا النفس الإنسانية.

وفي العربية كثير من الشعر الصوفي مفرق في الكتب، وفيها دواوين خصت بهذا الضرب من الشعر، أسيرها ذكرا ديوان ابن الفارض، ودواوين ابن عربي، وديوان النابلسي.

ولشعراء الفارسية المقام الأسمى في الشعر الصوفي، وقد حاكاهم فيه شعراء التركية والأردية، وأعظم شعراء الفارسية في هذا مجد الدين سنائي، وفريد الدين العطار، وجلال الدين الرومي، وهو زعيم شعراء الصوفية وفلاسفتهم جميعا.

2

وكأن الله - سبحانه - أراد أن يبعث مولانا جلال الدين في هذا العصر، مزودا فلسفته وعلومه إلى فلسفة الصوفية وصفاء نفوسهم، فبعثه في صورة شاعر الإسلام وفيلسوفه: محمد إقبال الهندي.

ولإقبال منظومات كثيرة معظمها بالفارسية، وبعضها بالأردية، وقد ضمنها من الفلسفة والتصوف والأخلاق والاجتماع والسياسة ونقد المدنية ما يملأ القارئ إعجابا. والرجل حر يكره التقليد، ويحذر منه، فعقله وقلبه ظاهران في كل ما يكتب.

ومن منظوماته كتابان سماهما: «أسرار خودي» و«رموزبي خودي»؛ أي أسرار الذاتية، ورموز اللا ذاتية. ومدار البحث في الأول أن العالم قائم على «الذاتية»، وأن حياة الإنسان بإبراز ما أودع فطرته من المواهب، وتقوية نفسه، ومدار البحث في الكتاب الثاني بيان ائتلاف الأفراد في الجماعة، وما تقوى به الجماعات. وقد شرح ذلك شرحا مبينا، وضرب الأمثال، واستشهد التاريخ، وسما إلى الدرجة العليا في الشعر.

وقد ترجمت في مجلة «الرسالة» صفحات من الكتابين، ومن ديوانه «بيام مشرق» الذي جعله الشاعر جوابا للشاعر الألماني جوته.

3

وقد بدا لي أن أنشر في الرسالة منظومة أهديها إلى إقبال، وأجعلها صدى لكتابيه المذكورين آنفا.

وأريد مع هذا أن أنهج بها في العربية نهجا جديدا، وأجعلها مثلا للمعاني السامية التي يتناولها الشعر إذا أطلق من عقاله، وحرر من الموضوعات الضيقة التي اعتادها جمهور الشعراء، ولا سيما المعاني التي تكثر في أشعار الصوفية العظام، ثم أريد أن أجعلها مثالا للقافية المزدوجة التي قصرها شعراء العربية على الرجز المشطور، كما قصروا الرجز على نظم العلوم كالألفية والجوهر المكنون والتاريخ، كمنظومة ابن عبد ربه في أمراء بني أمية، والقصص ككتاب كليلة ودمنة، والصادح والباغم. وينبغي أن يسري هذا الضرب من التقفية إلى أبحر الشعر الأخرى، حين تعالج الموضوعات الواسعة، فهذا الذي سنى لشعراء الفارسية وغيرهم أن ينظموا عشرات الآلاف من الأبيات في قصة واحدة أو كتاب واحد.

وقد اخترت وزن الرمل ليسره وخفته، واقتداء بجمال الدين في المثنوي، ومحمد إقبال في بعض كتبه، ولا سيما «أسرار خودري» و«رموزبي خودري».

4

ثم التفعيلة الثالثة في الرمل تأتي تامة «فاعلاتن»، ومقطوعة «فاعلات»، ومحذوفة «فاعلا»، والقافية المزدوجة تجعل كل شطرين متفقين في الروي منفصلين ببعض الانفصال عن غيرهما.

الأوابد · الصفحة ٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأوابدص ٤٠