تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

10

قد غنينا عن مبيت ومقيل

وعن الأمواه والظل الظليل

وعن الرغبة والخوف سوى

خلع النعلان في وادي طوى

11

نحن لا نرضى بنار الغسق

نحن لا نرضى بنور الشفق

نحن لا نرضى بنجم الصبح لاح

لا ولا نرضى تباشير الصباح

نحن لا نرضى نجوما لامعه

إنما نبغي ذكاء طالعه

قد رحلنا بالجوى والحرق

وغنينا عن رسم الأينق

أين منا طائرات سبق

جمع الغرب لها والشرق

نحن ركب في جواه موضع

لم يسعه في جواه موضع

كل حر ضاق عنه الموطن

وانطوى دون مناه الزمن

كل طيار على متن الفكر

وعلى متن هيام لا يقر

طائر منه يغار الملك

طائر من تحته ذا الفلك

بارق في اللوح لا ينطفئ

كل غايات لديه مبدأ

زودينا بهيام ووجيب

زودي يا لبن من هذا اللهيب

6

12

جال في الظلماء نورا من نغم

مزقت منه دياجير الظلم

أشعاع فيه صوت صائح

أم كلام منه نور لائح؟

أذن الركب لهذا المنشد

أطرب الناشد صوت المنشد

13

سال في القلب مسيل المطر

ينبت الروح بسهب مقفر

أو خرير الماء من نبع زلال

بشر الغارق في بحر الرمال

رن في نفسي رنين الجرس

صاح في أذني فقيد مبلس

طوت البيداء عنه السابله

وهداه الصوت شطر القافله

سبق القلب إليه الأذنا

كبلال لصلاة أذنا

دار قلبي شطر هذا المطرب

دورة الإبرة شطر القطب

غنني يا منيتي لحن النشور

ابركي يا ناقتي، تم السرور

عدت يا عيدي إلينا، مرحبا

نعم ما روحت يا ريح الصبا

14 •••

حبذا الصوت فمن هذا البشير؟

ومن الهاتف بالقلب الكسير؟

ومن المسعد في هذي الهموم؟

ومن البارق في هذي الغيوم؟

ومن الهابط في نور السما

هاديا في الأرض جيلا مظلما؟

ومن الهادي إلى أرض الحبيب

يعرف النهج وقد حار اللبيب؟

ومن السائق شطر الحرم

وإلى الأصنام سير الأمم؟

ومن القارئ في بيت الصنم

سورة الإخلاص في هذا النغم؟

ومن الحر الذي قد حطما

في قيود الأسر هذا الأدهما؟

ومن الآبي على كل القيود؟

ومن القاطع أغلال العبيد؟

ومن الباعث في ميت الأمم

ثورة العزة من هذي الهمم؟

لاح كالغرة في هذا السواد

بص كالجمرة في هذا الرماد

جرف الناس أتي مزبد

ضل فيه المقتدى والمرشد

وطغى اللج عليه والتطم

فرسا كالصخر في هذا الخضم

عارض الموج على أغماره

وطوى اللج على تياره

سبح اللج وبالشط استقر

داعيا والناس غرقى في النهر

يجرف التيار جسما جامدا

تقذف اللجة قلبا خامدا

إن عزم الحر بحر مزبد

جائش في الدهر لا يتئد

هذه الأقدار في تسيارها

همم الأحرار في أسفارها

15

ومن الشاعر يذكي القافيه

فهي نور وهي نار حاميه؟

تقشعر الأرض من أوزانه

ويهيم النجم من ألحانه

وكأن الدهر صوت كتبا

قد حكاه الشعر صوتا مطربا

16

هو بالأشعار بحر فائض

وهو للأزمان قلب نابض

حدثته الأرض عن أخبارها

وحبته الزهر من أسرارها

هو بالأمس خبير بغد

وهو اليوم نجي الأبد

كشف الله عن الغيب له

فلسان الغيب يملي قوله

عرف الشرق وراد المغربا

فانجلى السر له ما كذبا

فرأى العلم سبيلا للردى

إذا رأى القلب خليا من هدى •••

صوت «إقبال» على شط المزار

أسمع اليقظان في هذي الديار

| السوقية في الأدب1

قرأت مقال الأستاذ الزيات الذي عنوانه: «دفاع عن البلاغة»، فوقع في نفسي على القبول والاستحسان، وألفيته ترجمانا عن معان ترددت في نفسي، ورددها لساني، وذكرني بحديث تحدثت به في دمشق في دار الأستاذ الصديق العلامة محمد كرد علي، رئيس المجمع العلمي العربي.

أذكر أني جلست والأستاذ مرة، فأخذنا بأطراف الأحاديث بيننا، وأفضنا في أمور شتى، حتى دفعنا في الكلام عن الأدب، وما عرض له من آفات، وما حاق به من مساوئ الاتجار، ومسايرة الآلات الحديثة عجلة واندفاعا، ومن تملق الجمهور بالإسفاف إليه، والتيسير عليه، وإمتاعه وتلهيته بما يلائم القراءة العجلى، والنظرة السريعة. وقد أجملت هذا كله في كلمة فقلت: «قد غلبت السوقية على الأدب.» قال الأستاذ: أصبت المحز بهذه الكلمة، وأحسنت التعبير عما يسميه الفرنسيون:

Mercantalisme .

وبيان هذا أن الآلات الحديثة يسرت الصناعة وعممتها وزوقتها، ولبست الجيد الثمين والرديء الرخيص في بعض المظاهر، فطمح كل في اقتناء الأمتعة التي كان لا يطمع فيها إلا الأغنياء، وطمع الفقراء في منافسة الأثرياء بأمتعة تقارب أمتعتهم أو تشبهها شكلا ولونا، وقابل الصناع والتجار هذا الطموح وذاك الطمع بما يسده من بضاعة مزيفة خداعة، وكسدت الصناعات اليدوية الجيدة التي تكلف الصانع عمل الأشهر أو السنين، وأعرض الناس عنها مشفقين من تكاليفها، فمن لم يملك ثمن الحرير الطبيعي، أو لم تسخ يده به، عمد إلى الحرير الصناعي، ومن لم يستطع اقتناء الذهب، اقتنى المذهب أو المموه، ومن لم يتسع ماله لاشتراء الماس، اشترى ما يشبه الماس، وهلم جرا.

الأوابد · الصفحة ٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأوابدص ٤٢