تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذه الساعة الثالثة من يوم الجمعة لخمس بقين من صفر سنة ست وخمسين وثلاثمائة، والأمير العظيم على فراش الموت يود لو جمع تاريخه في كتاب، وأحصيت وقائعه في سجل يأخذه بيده في ساعته الأخيرة؛ ليلقى ربه بما قدمت يداه في سبيل الله! بل يود لو صورت الخطوب، ومثلت الحوادث، وطوي التاريخ في صورة مجسمة ليصحبه في قبره، ويؤنسه في وحشته، ويمضي معه حجة ناطقة، وشهادة ناصعة، وكيف تصور الخطوب، وتمثل الحوادث، ويطوى التاريخ مجسدا؟!

يقول سيف الدولة: هاتوا اللبنة، قد نفضت دروعي بعد الوقائع، وجمعت ما عليها من الغبار، وصنعت من الغبار لبنة. علي بهذه اللبنة لأراها، فإذا مت فضعوها في لحدي تحت خدي.

1

ونقلت جثة الأمير الكبير، ولبنة الرجل المجاهد إلى ميافارقين، فدفنا في التربة التي دفن فيها سيف الدولة والدته.

فيا ليت شعري أين في ميافارقين قبر سيف الدولة؟ وأين من تربتها تلك اللبنة؛ تلك الهمة المجسمة، والمجد المجسد؟!

أين تلك اللبنة التي يشاد عليها صرح من المجد منيف، ويبنى بها ملك من العزة شامخ، تلك الحجة التي لم يدل بمثلها بطل ، ولا ظفر بنظيرها مجاهد؟!

لقد صور سيف الدولة من غبار الوقائع لبنة، فليصور كتابنا وشعراؤنا هذه اللبنة جهادا وعزما، وعزة ومجدا، وليجعلوها في المفاخر مثلا سائرا، وفي الأدب نثرا بليغا، وشعرا رائعا؛

2

ليقرءوا فيها شعر أبي الطيب في سيف الدولة، أو فلينشدوا فيها شعرا أروع من شعر أبي الطيب، فما أنفد شاعرنا مجد أميرنا وإن قال:

شاعر المجد خدنه شاعر اللف

ظ كلانا رب المعاني الدقاق

| على قبر الزهاوي1

بعد أن ووري في التراب شيخ الشعراء وفقيد العرب، وقف على قبره الدكتور عبد الوهاب عزام، فنثر عليه هذه الزهرات:

اليوم يقع هذا النسر بعد طول تحليقه!

اليوم يصمت هذا البلبل بعد طول تغريده!

اليوم يظفر هذا الجواد بالجمام!

اليوم يستريح هذا الفارس من الآلام!

اليوم تسكن هذه النفس الثائرة!

اليوم يرقد الزهاوي في قبره!

كل نفس ذائقة الموت، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

وإنما الخالد من خلدته آثاره، وسيبقى شعر الزهاوي مدويا بعد مماته، كما كان مدويا في حياته؛ ليبعث العزائم الراقدة، ويشعل النفوس الخامدة. ستتلقى مصر والبلاد العربية نعي الزهاوي كما تلقى العراق والعربية نعي شوقي، فتتجاوب بلاد العرب بالرثاء، وتتبادل العزاء، ونسأل الله أن يعوضها في شاعر العربية خيرا.

أيها الشاعر العظيم، ستذهب وذكراك بيننا خالدة!

أجميل لا تبعد فذكرك خالد

الذكر للإنسان عمر ثان!

| أوراق1

شرعت منذ ساعتين أقلب أوراقي في خزانة كتبي وأرتبها، وأمزق ما لا أحتاج إليه. وأنا وأمثالي من الأوراق في جهاد دائم، إن أغضيت قليلا تراكمت على المكتب والكراسي، وكان منظرها هما، والتفكير فيها ألما، ونغصت علينا العمل، فلا بد أن يتعهد الإنسان أوراقه بين الحين والحين، وإلا غلبته وتراكمت حوله تراكم الهموم.

وفي طبعي إلف يدعوني إلى الاحتفاظ بأوراق لا غناء فيها، وكلما طال عليها الزمن، وبعد العهد بما فيها، زادت قربا إلى نفسي، وحبا إلى قلبي، وعزت على عزة الذكر القديمة، والحوادث التي تؤرخ الحياة الماضية.

وقد عثرت - وأنا ماض في نقد الأوراق وتمزيق بعضها، وقد غلبني التعب والملل، فهان علي تمزيق أوراق ضننت بها زمنا طويلا - على ظرف فيه وريقات شتى، فجلست بها أقلبها، وأتسلى بذكرياتها، فإذا هذه الوريقات تمثل تقلب الإنسان في هذه الدنيا بين أعمال مختلفة، وشواغل شتى إن جمع بعضها إلى بعض كانت مفارقات مضحكة، أو عظات مبكية.

هذه الوريقات في هذا الظرف الصغير ترجع إلى سفري في تركيا قبل تسع سنوات، فهذه أثبات فيها كتب تركية في موضوعات شتى، ومعها بيان أثمانها. بين هذه الكتب نسخة عربية مخطوطة من «أمثال الميداني»، ونسخة جليلة من «كتاب المثنوي» - أغلب الظن أنها كانت في يد العالم الشاعر والصوفي العظيم الشيخ عبد الرحمن الجامي - ذكرتني هذه الورقة بمجالس لي عند الوراقين في «حي بايزيد» من أحياء إسطنبول، وهو أحب أحيائها إلى نفسي.

الأوابد · الصفحة ٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأوابدص ٣٧