وورقة أخرى فيها أسماء أربع عشرة من خزائن الكتب في هذه المدينة العظيمة «إسطنبول»، وقد دخلتها كلها، ونعمت بالقراءة والبحث عن الكتب القيمة فيها.
وأوراق أخرى من هذا الضرب الذي شغلنا في السفر والحضر، واليقظة والنوم.
وورقة فيها قطع من الشعر التركي خطها أديب عالم تركي ظفرت بصحبته في تلك الرحلة هو المرحوم «فريد بك». وكان - رحمه الله - متشائما كثير السخرية.
ومن هذه الأبيات، وأحسبها من نظمه:
كجدى دنيادن آداملق دوره سي
اعتماد إيت كل بو قول راجحه
شمدي حيوانقلده درفيض ورواج
روح إنسانيته الفاتحة
وترجمتها: مضى من الدنيا دور الإنسانية، اعتمد على هذا القول الراجح، والحيوانية الآن في فيض ورواج، فلروح الإنسانية الفاتحة.
وبعدها ورقة فيها بيان بكتب مخطوطة قديمة محلاة رأيتها عند واحد من ولاة الترك السابقين، ورأيت كيف يعتز بها ولسان حاله يقول:
وقد تخرج الحاجات يا أم عامر
كرائم من رب بهن ضنين!
ثم ورقة تذكر بزيارتي بيت الشعب في «أنقرة»، وما لقيت هناك من رجال وآراء، وتحف وآثار.
وبطاقة فيها ذكر كتب وآثار رأيتها في «مدينة قونية»، حينما زرت ضريح جلال الدين الرومي، ودار المولوية التي صيرت اليوم متحفا. وكم لي في دار المولوية من وقفات وعظات! وكم لها في النفس من ذكريات!
وصورة صغيرة لرجل كريم رافقته في طريقي من «إسكيشهر» إلى «قونية»، وسايرته في قونية ساعات، فحفظ الود، وأهدى إلي صورته، وعلى ظهرها كلمة تعرب عن أخوته وصداقته، وتاريخها: 13 أيلول سنة 1937، وقد افترقنا ولم يعلم أحدنا عن صاحبه من بعد شيئا، ورحم الله حافظا الشيرازي، يقول:
اغتنم الصحبة، فإننا حين نفترق من هذا المنزل ذي الطريقين لا نستطيع أن نلتقي أبدا!
وكل منازل الحياة ذات طريقين، بل طرق، إن افترقت بالمجتمعين لم يكونوا من اللقاء على يقين.
وبيدي الآن صفحة كتبت بخط نسخي جميل وباللغة التركية، وهي رسالة من أحد أدباء الترك إلى آخر يعرب عن تحسره على الشاعر الكبير الصديق المرحوم محمود عاكف. ولست أتذكر الآن المنشئ ولا الكاتب.
وهي صحيفة جديرة أن تترجم إلى العربية وتنشر تجديدا لذكرى شاعر الإسلام عاكف، الذي سعدنا بصحبته في مصر سنين.
وهاتان ورقتان نشرتهما، فإذا أبيات لي في وصف دمشق، إحدى ذكرياتها مسطورة بالرصاص، وللمداد فيها إصلاح وتغيير كالتمثال، ولا يزال يعمل في جوانبه إزميل النحات، وأول الأبيات:
دمشق يا قرة العيون
وبسمة القلب والجبين
لله يوم خلست فيه
ساعا من الدهر ذي الشجون
دخلت خلف العصور دارا
عاد بها غابر السنين
رأيت تاريخنا تجلى
يفيض بالشعر والفنون ... إلخ.
وهي أبيات كثيرة، وصفت فيها دارا قديمة من دور دمشق ذات الحدائق والنوافير، والنقوش والزخارف التي تمثل تاريخنا يوم كنا نبني بأيدينا وعقولنا لأنفسنا، قبل أن نسلب الاستقلال في كل شيء، ونعني بالتقليد في كل شيء! وآخر الأبيات:
خرجت منها، يقول قلبي
للرجل: بالله أنظريني
ومن الأوراق كتاب من «النادي العربي بدمشق» يتضمن شكري على محاضرة ألقيتها فيه، موضوعها: النهضة العربية.
وأوراق غير هذه، فيها حساب الفنادق، وما لي وللحساب؟! •••
هذا ظرف صغير نشرت منه هذه الذكر كلها، وقد مضت عليها تسع سنين، وكأنما وقعت أمس.
وكل حياتنا ملأى بالوقائع والفكر والعبر، ولكنها تمر سريعة مر الزمان، وينحى عليها الزمان المحاء بالمحو والنسيان، فهل من مدكر؟! •••
أثارت هذه الوريقات ذكريات في نفسي تتصل بها ذكريات، وكشف النسيان عن حوادث عفى الزمان على آثارها، فسارعت بكتابة هذه الكلمة قبل أن يمحو الزمان الذكر، ويفجع بعد العين بالأثر!
| عبرة الحادثات
المدنية الأوروبية - على خيراتها - وما أجدت على الناس من علمها ورفاهيتها: مدنية مادية، دعائمها المعادن والأحجار، يصاغ قلبها من الذهب والحديد وأشباههما، ويغذى بالفحم والنفط وأخواتهما، وتدور بها دواليب المصانع والمغازل والمناسج.