تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم .

لم أجد غيري خاليا من الصلاة، ولم أر سواي شذوذا في هذا النغم، فرددت نظرات في العالمين، ثم أسرعت لأكون من الساجدين.

| وديعة ميافارقين

1

سيف الدولة علي بن حمدان، أمير حلب والعواصم، يخط بسيفه مملكة في ثغور الروم، ويقزها على الزلازل، ويثبتها على الأهوال، ويمكنها في مضطرب الأمواج، ومدارج السيول.

لبث الرجل عشرين عاما يغزو الروم، ويدفع غزواتهم، ويجاهد وحده هذا العدو الذي جاهده العرب وجاهدهم، منذ زال سلطان الروم عن الشام. لا تفتر همة علي بن حمدان، ولا يكل عزمه، ولا تفل شباته، وجيوش الروم وأتباعهم تطغى على البلاد العربية ، موجة بعد موجة، فتتكسر على هذه الصخور من الشجاعة والعزم، والجهاد والصبر، ويسيل السيل بعد السيل، فيصده هذا السد الذي مكنته شجاعة سيف الدولة وجنده القليل، وكم نكبت جيوش سيف الدولة فما وهن ولا استكان، ولا ساير الزمان، ولا أخلد إلى السلامة، ولا آثر العافية! ولكن الحوادث انجلت عن هذا الوجه الوضاء بساما للخطوب، وهذه العزة القعساء راسية على الأهوال:

وقفت وما في الموت شك لواقف

كأنك في جفن الردى وهو نائم

تمر بك الأبطال كلمى هزيمة

ووجهك وضاح وثغرك باسم

وبنو بويه في بغداد، والإخشيديون ثم الفاطميون في مصر بمعزل عن هذه الحوادث، أسلموا الأمير الحمداني لهذا الجلاد الدائب، والعراك المتواصل:

أنت طول الحياة للروم غاز

فمتى الوعد أن يكون القفول

وسوى الروم خلف ظهرك روم

فعلى أي جانبيك تميل؟

قعد الناس كلهم عن مساعي

ك وقامت بها القنا والنصول

ما الذي عنده تدار المنايا

كالذي عنده تدار الشمول

2

هذه سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة والسيف العربي الذي قارع الروم عشرين عاما لم يفل، والعزم الذي استكبر على الغير حقبة طويلة لم يضعف، ولكن سيف الدولة مريض، عرضت علة لجسده، وكبرت عن العلل روحه، وقد حاصر الروم طرسوس، واستغاث أهلها الأمير العليل، فلم يقعد به مرضه، ولا بعث للعدو قائدا غيره، بل ركب في الجيش المرزأ بالسيوف المفللة يجيب الصريخ، ويغيث أهل الثغور:

وغر الدمستق قول العدا

ة: إن عليا ثقيل وصب

وقد علمت خيله أنه

إذا هم - وهو عليل - ركب

وخاف الروم لقاء الأمير الذي عرفوه، وقتال الجيش الذي خبروه، فتركوا طرسوس وقفلوا إلى ديارهم، وانفرجت الغمة عن طرسوس وما يليها.

سبقت إليهم مناياهم

ومنفعة الغوث قبل العطب

فخروا لخالقهم سجدا

ولو لم تغث سجدوا للصلب

وكم ذدت عنهم ردى بالردى

وكشفت من كرب بالكرب

وبقي الأمير العليل يستقل بأعباء الجهاد، ويحمي وحده الثغور.

أرى المسلمين مع المشركي

ن إما لعجز وإما رهب

وأنت مع الله في جانب

قليل الرقاد كثير التعب

علي بن حمدان مريض، يحارب عدوا شديدا ، ويلقى خطوبا سودا، ولكن على الأسد أن يحمي غيله، والفحل يحمي شوله معقولا. يمضي الرجل في جلاده على العلات، وعلى رغم العلل والحادثات، وأمراء العرب والمسلمين من خلفه كما قال أبو الطيب لهذا الأمير العظيم:

ألهى الممالك عن فخر قفلت به

شرب المدامة والأوتار والنغم

3

في شهر صفر سنة ست وخمسين وثلاثمائة في مدينة حلب يمرض ابن حمدان البطل مرضه الأخير، وينظر وراءه إلى ثلاث وعشرين سنة من المجد والكد، ويتمثل الخيل المغيرة والنقع المثار، والسيوف المتضاربة، والرماح المتطاعنة، والكر والفر، والهزيمة والظفر، ويتذكر من ثبت ومن فر، ومن وفى ومن غدر، كما يتمثل الشعراء أمامه يسجلون وقائعه، ويخلدون مآثره، والعلماء والأدباء يأتونه من كل صوب، ينشرون العلم في كنفه، ويحتمون من الحوادث في جانبه، وتمر بخياله الحوادث حلوها ومرها، والأيام خيرها وشرها، فيبسم بسمة الرجل أدى واجبه، ووفى بعهده، وترك وراءه صيتا بعيدا، وذكرا حميدا.

الأوابد · الصفحة ٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأوابدص ٣٦