| باب مناقب أمهات المؤمنين رضي الله عنهم
الأولى خديجة بنت خويلد رضي الله عنها : كانت تدعى في الجاهلية بالطاهرة وكانت أكثر قريش مالا وأعظمهم شرفا وكانت تتاجر الرجالة في مالها وتضاربهم بشيء معلوم قال في المنهاج القراض والمضاربة أن يدفع إليه دراهم أو دنانير ليتجر والربح مشترك فلما بلغ خديجة رضي الله عنها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقه وأمانته وكرم أخلاقه بعثت إليه أن يخرج في مالها إلى الشام وتعطيه أفضل ما تعطي غيره مع غلام لها يقال ميسرة فقبل منها وخرج في مالها إلى الشام حتى قدم مدينة بصرى من أرض حوران وكان قد خرج مع عمه أبي طالب إلى بصرى أيضا وله إثنتا عشرة سنة في رحلة الصيف وكانت قريش يتاجرون في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام فكان ذلك لا يشق عليهم ولا يشق على أنفسهم عبادة رب البيت فلذلك أتى بلام التعجيب فقال تعالى لإيلاف قريش أي اعجبوا لإيلاف قريش لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف وتركهم العبادة ثم إن الله تعالى يسر لهم الأرزاق في البر على الإبل وغيرها في المراكب وأمرهم بالعبادة فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بصرى مع غلام خديجة رآه بحيرة الراهب وقيل غيره وإنما رآه بحيرة في الكرة الأولى فقال الراهب من هذا قال غلام من قريش قال ما ينزل تحت هذه الشجرة إلا نبي فلما رجع صلى الله عليه وسلم إلى مكة فباعت خديجة رضي الله عنها ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من التجارة بربح وحدثها ميسرة بقول الراهب وقال ميسرة كان إذا اشتدت الحرارة نزل عليه ملكان يظلان عليه من الشمس وهو على بعيره فأرسلت إليه وعرضت نفسها عليه ثم أرسلت إليه شيئا ليرسله إلى أبيها حتى يرغب فيزوجه بها فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأعمامه فخرج حمزة وأبو طالب ورؤساء الحرم إلى خويلد بن أسد فخطب أبو طالب وقال الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل وجعل بيتنا محجوبا وحرما آمنا وجعلنا سواس حرمه والحكام على الناس ثم أن ابن أخي محمد لا يوزن برجل إلا رجح به فإن كان في المال قل فإن المال ظل زائل وأمر حائل وقد خطب خديجة ولها من الصداق ما عاجله وآجله كذا وهو والله بعد هذا له نبأ فزوجه أبوها خويلد وهي بنت أربعين سنة وهو ابن خمس وعشرين وأصدقها عشرين بكرة ونحر في وليمتها جزورين ورأيت في كتاب شرف المصطفى أن أبا طالب قال يا محمد أنت يتيم فقير ومنه خديجة تستأجر الأجراء فهل لك أن أذهب بك لعلها تستأجرك فتنال منها خيرا قال نعم فأقبل به إليها فقالت نعم اجعل لكل أجير ناقة واجعل لمحمد ناقتين فخرج مع غلامها ميسرة وقالت لا تعص لمحمد أمرا فلما نزلوا بقرب بحيرة قال من أنت قال أنا غلام خديجة