والقائل القول لم يترك ولم يقل
122
والباعث الجيش قد غالت عجاجته
ضوء النهار فصار الظهر كالطفل
123
الجو أضيق ما لاقاه ساطعها
ومقلة الشمس فيه أحير المقل
124
ينال أبعد منها وهي ناظرة
فما تقابله إلا على وجل
125
قد عرض السيف دون النازلات به
وظاهر الحزم بين النفس والغيل
126
ووكل الظن بالأسرار فانكشفت
له ضمائر أهل السهل والجبل
127
هو الشجاع يعد البخل من جبن
وهو الجواد يعد الجبن من بخل
128
يعود من كل فتح غير مفتخر
وقد أغذ إليه غير محتفل
129
ولا يجير عليه الدهر بغيته
ولا تحصن درع مهجة البطل
130
إذا خلعت على عرض له حللا
وجدتها منه في أبهى من الحلل
131
بذي الغباوة من إنشادها ضرر
كما تضر رياح الورد بالجعل
132
لقد رأت كل عين منك مالئها
وجربت خير سيف خيرة الدول
133
فما تكشفك الأعداء من ملل
من الحروب ولا الآراء عن زلل
134
وكم رجال بلا أرض لكثرتهم
تركت جمعهم أرضا بلا رجل!
135
ما زال طرفك يجري في دمائهم
حتى مشى بك مشي الشارب الثمل
136
يا من يسير وحكم الناظرين له
فيما يراه وحكم القلب في الجذل
137
إن السعادة فيما أنت فاعله
وفقت مرتحلا أو غير مرتحل
138
أجر الجياد على ما كنت مجريها
وخذ بنفسك في أخلاقك الأول
139
ينظرن من مقل أدمى أحجتها
قرع الفوارس بالعسالة الذبل
140
فلا هجمت بها إلا على ظفر
ولا وصلت بها إلا على أمل
141
وقال يرثي أبا الهيجاء عبد الله بن سيف الدولة بحلب، وقد توفي بميافارقين في صفر سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة:
بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل
وهذا الذي يضني كذاك الذي يبلي
142
كأنك أبصرت الذي بي وخفته
إذا عشت فاخترت الحمام على الثكل
143
تركت خدود الغانيات وفوقها
دموع تذيب الحسن في الأعين النجل
144
تبل الثرى سودا من المسك وحده
وقد قطرت حمرا على الشعر الجثل
145
فإن تك في قبر فإنك في الحشا
وإن تك طفلا فالأسى ليس بالطفل
146
ومثلك لا يبكى على قدر سنه
ولكن على قدر المخيلة والأصل
147
ألست من القوم الألى من رماحهم
نداهم ومن قتلاهم مهجة البخل؟
148
بمولودهم صمت اللسان كغيره
ولكن في أعطافه منطق الفضل
149
تسليهم علياؤهم عن مصابهم
ويشغلهم كسب الثناء عن الشغل
150
أقل بلاء بالرزايا من القنا
وأقدم بين الجحفلين من النبل
151
عزاءك سيف الدولة المقتدى به
فإنك نصل والشدائد للنصل
152
مقيم من الهيجاء في كل منزل
كأنك من كل الصوارم في أهل
153
ولم أر أعصى منك للحزن عبرة
وأثبت عقلا والقلوب بلا عقل
154
تخون المنايا عهده في سليله
وتنصره بين الفوارس والرجل
155
ويبقى على مر الحوادث صبره
ويبدو كما يبدو الفرند على الصقل
156
ومن كان ذا نفس كنفسك حرة
ففيه لها مغن وفيها له مسلي
157
وما الموت إلا سارق دق شخصه
يصول بلا كف ويسعى بلا رجل
158
يرد أبو الشبل الخميس عن ابنه
ويسلمه عند الولادة للنمل
159
بنفسي وليد عاد من بعد حمله
إلى بطن أم لا تطرق بالحمل
160
بدا وله وعد السحابة بالروى
وصد وفينا غلة البلد المحل
161
وقد مدت الخيل العتاق عيونها
إلى وقت تبديل الركاب من النعل
162
وريع له جيش العدو وما مشى
وجاشت له الحرب الضروس وما تغلي
163
أيفطمه التوراب قبل فطامه
ويأكله قبل البلوغ إلى الأكل؟!
164
وقبل يرى من جوده ما رأيته
ويسمع فيه ما سمعت من العذل
165
ويلقى كما تلقى من السلم والوغى
ويمسي كما تمسي مليكا بلا مثل
166
توليه أوساط البلاد رماحه
وتمنعه أطرافهن من العزل
167
نبكي لموتانا على غير رغبة
تفوت من الدنيا ولا موهب جزل
168
إذا ما تأملت الزمان وصرفه
تيقنت أن الموت ضرب من القتل
169
هل الولد المحبوب إلا تعلة؟
وهل خلوة الحسناء إلا أذى البعل؟
170
وقد ذقت حلواء البنين على الصبا
فلا تحسبني قلت ما قلت عن جهل
171
وما تسع الأزمان علمي بأمرها
ولا تحسن الأيام تكتب ما أملي
172
وما الدهر أهل أن تؤمل عنده
حياة، وأن يشتاق فيه إلى النسل
173
وقال يمدحه:
لا الحلم جاد به ولا بمثاله