تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

213 •••

وقال ارتجالا في أبي الحسين بن إبراهيم وقد دخل عليه وهو يشرب:

مرتك ابن إبراهيم صافية الخمر

وهنئتها من شارب مسكر السكر

214

رأيت الحميا في الزجاج بكفه

فشبهتها بالشمس في البدر في البحر

215

إذا ما ذكرنا جوده كان حاضرا

نأى أو دنا يسعى على قدم الخضر

216 •••

وقال ارتجالا وقد دخل على بدر بن عمار يوما فوجده خاليا، وقد أمر الغلمان أن يحجبوا الناس عنه ليخلو للشراب:

أصبحت تأمر بالحجاب لخلوة

هيهات لست على الحجاب بقادر

من كان ضوء جبينه ونواله

لم يحجبا لم يحتجب عن ناظر

217

فإذا احتجبت فأنت غير محجب

وإذا بطنت فأنت عين الظاهر

218

وقال وقد أخذ الشراب منه عند بدر وأراد الانصراف فلم يقدر على الكلام، فقال هذين البيتين وهو لا يدري:

نال الذي نلت منه مني

لله ما تصنع الخمور!

219

وذا انصرافي إلى محلي

أآذن أيها الأمير •••

وقال يصف لعبة في صورة جارية؛ وذلك أنه كان لبدر بن عمار جليس أعور يعرف بابن كروس، يحسد أبا الطيب لما كان يشاهده من سرعة خاطره؛ لأنه لم يكن شيء يجري في المجلس إلا ارتجل فيه شعرا، فقال الأعور لبدر: أظنه يعمل هذا قبل حضوره ويعده، فقال بدر: مثل هذا لا يجوز، وأنا أمتحنه بشيء أحضره للوقت؛ فلما كمل المجلس ودارت الكئوس أخرج لعبة لها شعر في طولها، تدور على لولب، وإحدى رجليها مرفوعة، وفي يدها طاقة ريحان؛ فإذا وقفت حذاء إنسان شرب فدارت؛ فقال ارتجالا:

وجارية شعرها شطرها

محكمة نافذ أمرها

220

تدور وفي كفها طاقة

تضمنها مكرها شبرها

221

فإن أسكرتنا ففي جهلها

بما فعلته بنا عذرها

222 •••

وقال في بدر أيضا وقد وقفت هذه الجارية حذاءه:

إن الأمير أدام الله دولته

لفاخر كسيت فخرا به مضر

223

في الشرب جارية من تحتها خشب

ما كان والدها جن ولا بشر

224

قامت على فرد رجل من مهابته

وليس تعقل ما تأتي وما تذر

225

وقال لبدر: ما حملك على إحضار اللعبة؟ فقال: أردت أن أنفي الظنة عن أدبك، فقال:

زعمت أنك تنفي الظن عن أدبي

وأنت أعظم أهل العصر مقدارا

226

إني أنا الذهب المعروف مخبره

يزيد في السبك للدينار دينارا

227

فقال بدر: بل للدينار قنطارا، فقال:

برجاء جودك يطرد الفقر

وبأن تعادى ينفد العمر

228

فخر الزجاج بأن شربت به

وزرت على من عافها الخمر

229

وسلمت منها وهي تسكرنا

حتى كأنك هابك السكر

230

ما يرتجى أحد لمكرمة

إلا الإله وأنت يا بدر

وأراد الارتحال عن علي بن أحمد الخراساني فقال:

لا تنكرن رحيلي عنك في عجل

فإنني لرحيلي غير مختار

وربما فارق الإنسان مهجته

يوم الوغى غير قال خشية العار

231

وقد منيت بحساد أحاربهم

فاجعل نداك عليهم بعض أنصاري

232

وقال يصف مسيره في البوادي وما لقي في أسفاره ويذم الأعور بن كروس:

عذيري من عذارى من أمور

سكن جوانحي بدل الخدور

233

ومبتسمات هيجاوات عصر

عن الأسياف ليس عن الثغور

234

ركبت مشمرا قدمي إليها

وكل عذافر قلق الضفور

235

أوانا في بيوت البدو رحلي

وآونة على قتد البعير

236

أعرض للرماح الصم نحري

وأنصب حر وجهي للهجير

237

وأسري في ظلام الليل وحدي

كأني منه في قمر منير

238

فقل في حاجة لم أقض منها

على شغفي بها شروى نقير

239

ونفس لا تجيب إلى خسيس

وعين لا تدار على نظير

240

وكف لا تنازع من أتاني

ينازعني سوى شرفي وخيري

241

وقلة ناصر جوزيت عني

بشر منك يا شر الدهور

242

عدوي كل شيء فيك حتى

لخلت الأكم موغرة الصدور

243

فلو أني حسدت على نفيس

لجدت به لذي الجد العثور

ولكني حسدت على حياتي

وما خير الحياة بلا سرور

244

فيا ابن كروس يا نصف أعمى

وإن تفخر فيا نصف البصير

245

تعادينا لأنا غير لكن

وتبغضنا لأنا غير عور

246

فلو كنت امرأ يهجى هجونا

ولكن ضاق فتر عن مسير

247

وقال يمدح أبا محمد الحسين بن عبد الله بن طغج:

ووقت وفى بالدهر لي عند واحد

وفى لي بأهليه وزاد كثيرا

248

شربت على استحسان ضوء جبينه

وزهر ترى للماء فيه خريرا

غدا الناس مثليهم به لا عدمته

شرح ديوان المتنبي · الصفحة ٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح ديوان المتنبيص ٧٩