تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

51

فإن حظك من تكرارها شرف

وحظ غيرك منها الشيب والكبر

52

وقال وقد جلس سيف الدولة لرسول ملك الروم ولم يصل إليه المتنبي لزحام الناس، فعاتبه سيف الدولة على تأخره وانقطاعه.

فقال المتنبي ارتجالا، وذلك سنة ثلاث وأربعين وثلثمائة:

ظلم لذا اليوم وصف قبل رؤيته

لا يصدق الوصف حتى يصدق النظر

53

تزاحم الجيش حتى لم يجد سببا

إلى بساطك لي سمع ولا بصر

فكنت أشهد مختص وأغيبه

معاينا وعياني كله خبر

54

اليوم يرفع ملك الروم ناظره

لأن عفوك عنه عنده ظفر

55

وإن أجبت بشيء عن رسائله

فما يزال على الأملاك يفتخر

56

قد استراحت إلى وقت رقابهم

من السيوف وباقي القوم ينتظر

57

وقد تبدلها بالقوم غيرهم

لكي تجم رءوس القوم والقصر

58

تشبيه جودك بالأمطار غادية

جود لكفك ثان ناله المطر

59

تكسب الشمس منك النور طالعة

كما تكسب منها نوره القمر

60

وقال لما أوقع سيف الدولة ببني عقيل وقشير وبني العجلان وبني كلاب حين عاثوا في عمله وخالفوا عليه، ويذكر إجفالهم من بين يديه وظفره بهم، وله خبر طويل:

طوال قنا تطاعنها قصار

وقطرك في ندى ووغى بحار

61

وفيك إذا جنى الجاني أناة

تظن كرامة وهي احتقار

62

وأخذ للحواضر والبوادي

بضبط لم تعوده نزار

63

تشممه شميم الوحش إنسا

وتنكره فيعروها نفار

64

وما انقادت لغيرك في زمان

فتدري ما المقادة والصغار

65

فقرحت المقاود ذفرييها

وصعر خدها هذا العذار

66

وأطمع عامر البقيا عليها

ونزقها احتمالك والوقار

67

وغيرها التراسل والتشاكي

وأعجبها التلبب والمغار

68

جياد تعجز الأرسان عنها

وفرسان تضيق بها الديار

69

وكانت بالتوقف عن رداها

نفوسا في رداها تستشار

70

وكنت السيف قائمه إليهم

وفي الأعداء حدك والغرار

فأمست بالبدية شفرتاه

وأمسى خلف قائمه الحيار

71

وكان بنو كلاب حيث كعب

فخافوا أن يصيروا حيث صاروا

72

تلقوا عز مولاهم بذل

وسار إلى بني كعب وساروا

73

فأقبلها المروج مسومات

ضوامر لا هزال ولا شيار

74

تثير على سلمية مسبطرا

تناكر تحته لولا الشعار

75

عجاجا تعثر العقبان فيه

كأن الجو وعث أو خبار

76

وظل الطعن في الخيلين خلسا

كأن الموت بينهما اختصار

77

فلزهم الطراد إلى قتال

أحد سلاحهم فيه الفرار

78

مضوا متسابقي الأعضاء فيه

لأرؤسهم بأرجلهم عثار

79

يشلهم بكل أقب نهد

لفارسه على الخيل الخيار

80

وكل أصم يعسل جانباه

على الكعبين منه دم ممار

81

يغادر كل ملتفت إليه

ولبته لثعلبه وجار

82

إذا صرف النهار الضوء عنهم

دجا ليلان: ليل والغبار

وإن جنح الظلام انجاب عنهم

أضاء المشرفية والنهار

83

يبكي خلفهم دثر بكاه

رغاء أو ثؤاج أو يعار

84

غطا بالعثير البيداء حتى

تحيرت المتالي والعشار

85

ومروا بالجباة يضم فيها

كلا الجيشين من نقع إزار

86

وجاءوا الصحصحان بلا سروج

وقد سقط العمامة والخمار

87

وأرهقت العذارى مردفات

وأوطئت الأصيبية الصغار

88

وقد نزح الغوير فلا غوير

ونهيا والبييضة والجفار

89

وليس بغير تدمر مستغاث

وتدمر كاسمها لهم دمار

90

أرادوا أن يديروا الرأي فيها

فصبحهم برأي لا يدار

91

وجيش كلما حاروا بأرض

وأقبل أقبلت فيه تحار

92

يحف أغر لا قود عليه

ولا دية تساق ولا اعتذار

93

تريق سيوفه مهج الأعادي

وكل دم أراقته جبار

94

فكانوا الأسد ليس لها مصال

على طير وليس لها مطار

95

إذا فاتوا الرماح تناولتهم

بأرماح من العطش القفار

96

يرون الموت قداما وخلفا

فيختارون والموت اضطرار

97

إذا سلك السماوة غير هاد

فقتلاهم لعينيه منار

98

ولو لم تبق لم تعش البقايا

وفي الماضي لمن بقي اعتبار

99

إذا لم يرع سيدهم عليهم

فمن يرعي عليهم أو يغار

100

تفرقهم وإياه السجايا

ويجمعهم وإياه النجار

101

ومال بها على أرك وعرض

وأهل الرقتين لها مزار

102

وأجفل بالفرات بنو نمير

وزأرهم الذي زأروا خوار

103

فهم حزق على الخابور صرعى

بهم من شرب غيرهم خمار

104

فلم يسرح لهم في الصبح مال

ولم توقد لهم بالليل نار

105

حذار فتى إذا لم يرض عنهم

فليس بنافع لهم الحذار

شرح ديوان المتنبي · الصفحة ٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح ديوان المتنبيص ٧٦