تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

منى كن لي أن البياض خضاب

فيخفى بتبييض القرون شباب

531

ليالي عند البيض فوداي فتنة

وفخر وذاك الفخر عندي عاب

532

فكيف أذم اليوم ما كنت أشتهي

وأدعو بما أشكوه حين أجاب

533

جلا اللون عن لون هدى كل مسلك

كما انجاب عن ضوء النهار ضباب

534

وفي الجسم نفس لا تشيب بشيبه

ولو ان ما في الوجه منه حراب

535

لها ظفر إن كل ظفر أعده

وناب إذا لم يبق في الفم ناب

536

يغير مني الدهر ما شاء غيرها

وأبلغ أقصى العمر وهي كعاب

537

وإني لنجم تهتدي بي صحبتي

إذا حال من دون النجوم سحاب

538

غني عن الأوطان لا يستفزني

إلى بلد سافرت عنه إياب

539

وعن ذملان العيس إن سامحت به

وإلا ففي أكوارهن عقاب

540

وأصدى فلا أبدي إلى الماء حاجة

وللشمس فوق اليعملات لعاب

541

وللسر مني موضع لا يناله

نديم ولا يفضي إليه شراب

542

وللخود مني ساعة ثم بيننا

فلاة إلى غير اللقاء تجاب

543

وما العشق إلا غرة وطماعة

يعرض قلب نفسه فيصاب

544

وغير فؤادي للغواني رمية

وغير بناني للزجاج ركاب

545

تركنا لأطراف القنا كل شهوة

فليس لنا إلا بهن لعاب

546

نصرفه للطعن فوق حوادر

قد انقصفت فيهن منه كعاب

547

أعز مكان في الدنى سرج سابح

وخير جليس في الزمان كتاب

548

وبحر أبو المسك الخضم الذي له

على كل بحر زخرة وعباب

549

تجاوز قدر المدح حتى كأنه

بأحسن ما يثنى عليه يعاب

550

وغالبه الأعداء ثم عنوا له

كما غالبت بيض السيوف رقاب

551

وأكثر ما تلقى أبا المسك بذلة

إذا لم تصن إلا الحديد ثياب

552

وأوسع ما تلقاه صدرا وخلفه

رماء وطعن والأمام ضراب

553

وأنفذ ما تلقاه حكما إذا قضى

قضاء ملوك الأرض منه غضاب

554

يقود إليه طاعة الناس فضله

ولو لم يقدها نائل وعقاب

555

أيا أسدا في جسمه روح ضيغم

وكم أسد أرواحهن كلاب

556

ويا آخذا من دهره حق نفسه

ومثلك يعطى حقه ويهاب

557

لنا عند هذا الدهر حق يلطه

وقد قل إعتاب وطال عتاب

558

وقد تحدث الأيام عندك شيمة

وتنعمر الأوقات وهي يباب

559

ولا ملك إلا أنت والملك فضلة

كأنك سيف فيه وهو قراب

560

أرى لي بقربي منك عينا قريرة

وإن كان قربا بالبعاد يشاب

561

وهل نافعي أن ترفع الحجب بيننا

ودون الذي أملت منك حجاب

562

أقل سلامي حب ما خف عنكم

وأسكت كيما لا يكون جواب

563

وفي النفس حاجات وفيك فطانة

سكوتي بيان عندها وخطاب

564

وما أنا بالباغي على الحب رشوة

ضعيف هوى يبغى عليه ثواب

565

وما شئت إلا أن أدل عواذلي

على أن رأيي في هواك صواب

566

وأعلم قوما خالفوني فشرقوا

وغربت أني قد ظفرت وخابوا

567

جرى الخلف إلا فيك أنك واحد

وأنك ليث والملوك ذئاب

568

وأنك إن قويست صحف قارئ

ذئابا ولم يخطئ فقال ذباب

569

وإن مديح الناس حق وباطل

ومدحك حق ليس فيه كذاب

570

إذا نلت منك الود فالمال هين

وكل الذي فوق التراب تراب

وما كنت لولا أنت إلا مهاجرا

له كل يوم بلدة وصحاب

571

ولكنك الدنيا إلي حبيبة

فما عنك لي إلا إليك ذهاب

572

ومر في صباه برجلين قد قتلا جرذا وأبرزاه يعجبان الناس من كبره فقال:

لقد أصبح الجرذ المستغير

أسير المنايا صريع العطب

573

رماه الكناني والعامري

وتلاه للوجه فعل العرب

574

كلا الرجلين اتلا قتله

فأيكما غل حر السلب

575

وأيكما كان من خلفه

فإن به عضة في الذنب

وقال يهجو ضبة بن يزيد العتبي:

576

ما أنصف القوم ضبه

وأمه الطرطبه

577

رموا برأس أبيه

وباكوا الام غلبه

578

فلا بمن مات فخر

ولا بمن نيك رغبه

579

وإنما قلت ما قل

ت رحمة لا محبه

580

وحيلة لك حتى

عذرت لو كنت تيبه

581

وما عليك من القت

ل إنما هي ضربه

582

وما عليك من الغد

ر إنما هو سبه

583

وما عليك من العا

ر إن أمك قحبه

584

وما يشق على الكل

ب أن يكون ابن كلبه

ما ضرها من أتاها

وإنما ضر صلبه

ولم ينكها ولكن

عجانها ناك زبه

585

يلوم ضبة قوم

ولا يلومون قلبه

وقلبه يتشهى

ويلزم الجسم ذنبه

لو أبصر الجذع شيئا

أحب في الجذع صلبه

586

يا أطيب الناس نفسا

وألين الناس ركبه

587

وأخبث الناس أصلا

في أخبث الأرض تربه

شرح ديوان المتنبي · الصفحة ٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح ديوان المتنبيص ٥٨