فكل فعال كلكم عجاب
149
كذا فليسر من طلب الأعادي
ومثل سراك فليكن الطلاب
150
وقال يرثي أخت سيف الدولة، وقد توفيت بميافارقين، وورد خبرها إلى الكوفة، فكتب أبو الطيب بهذه المرثية إليه من الكوفة سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة:
يا أخت خير أخ يا بنت خير أب
كناية بهما عن أشرف النسب
151
أجل قدرك أن تسمي مؤبنة
ومن يصفك فقد سماك للعرب
152
لا يملك الطرب المحزون منطقه
ودمعه وهما في قبضة الطرب
153
غدرت يا موت كم أفنيت من عدد
بمن أصبت وكم أسكت من لجب
154
وكم صحبت أخاها في منازلة
وكم سألت فلم يبخل ولم تخب
155
طوى الجزيرة حتى جاءني خبر
فزعت فيه بآمالي إلى الكذب
156
حتى إذا لم يدع لي صدقه أملا
شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي
157
تعثرت به في الأفواه ألسنها
والبرد في الطرق والأقلام في الكتب
158
كأن فعلة لم تملأ مواكبها
ديار بكر ولم تخلع ولم تهب
159
ولم ترد حياة بعد تولية
ولم تغث داعيا بالويل والحرب
160
أرى العراق طويل الليل مذ نعيت
فكيف ليل فتى الفتيان في حلب
161
يظن أن فؤادي غير ملتهب
وأن دمع جفوني غير منسكب
162
بلى وحرمة من كانت مراعية
لحرمة المجد والقصاد والأدب
163
ومن مضت غير موروث خلائقها
وإن مضت يدها موروثة النشب
164
وهمها في العلى والمجد ناشئة
وهم أترابها في اللهو واللعب
165
يعلمن حين تحيا حسن مبسمها
وليس يعلم إلا الله بالشنب
166
مسرة في قلوب الطيب مفرقها
وحسرة في قلوب البيض واليلب
167
إذا رأى ورآها رأس لابسه
رأى المقانع أعلى منه في الرتب
168
وإن تكن خلقت أنثى لقد خلقت
كريمة غير أنثى العقل والحسب
169
وإن تكن تغلب الغلباء عنصرها
فإن في الخمر معنى ليس في العنب
170
فليت طالعة الشمسين غائبة
وليت غائبة الشمسين لم تغب
171
وليت عين التي آب النهار بها
فداء عين التي زالت ولم تؤب
172
فما تقلد بالياقوت مشبهها
ولا تقلد بالهندية القضب
173
ولا ذكرت جميلا من صنائعها
إلا بكيت ولا ود بلا سبب
174
قد كان كل حجاب دون رؤيتها
فما قنعت لها يا أرض بالحجب
175
ولا رأيت عيون الإنس تدركها
فهل حسدت عليها أعين الشهب
176
وهل سمعت سلاما لي ألم بها
فقد أطلت وما سلمت من كثب
177
وكيف يبلغ موتانا التي دفنت
وقد يقصر عن أحيائنا الغيب
178
يا أحسن الصبر زر أولى القلوب بها
وقل لصاحبه يا أنفع السحب
179
وأكرم الناس لا مستثنيا أحدا
من الكرام سوى آبائك النجب
180
قد كان قاسمك الشخصين دهرهما
وعاش درهما المفدي بالذهب
181
وعاد في طلب المتروك تاركه
إنا لنغفل والأيام في الطلب
182
ما كان أقصر وقتا كان بينهما
كأنه الوقت بين الورد والقرب
183
جزاك ربك بالأحزان مغفرة
فحزن كل أخي حزن أخو الغضب
184
وأنتم نفر تسخو نفوسكم
بما يهبن ولا يسخون بالسلب
185
حللتم من ملوك الناس كلهم
محل سمر القنا من سائر القصب
186
فلا تنلك الليالي إن أيديها
إذا ضربن كسرن النبع بالغرب
187
ولا يعن عدوا أنت قاهره
فإنهن يصدن الصقر بالخرب
188
وإن سررن بمحبوب فجعن به
وقد أتينك في الحالين بالعجب
189
وربما احتسب الإنسان غايتها
وفاجأته بأمر غير محتسب
190
وما قضى أحد منها لبانته
ولا انتهى أرب إلا إلى أرب
191
تخالف الناس حتى لا اتفاق لهم
إلا على شجب والخلف في الشجب
192
فقيل تخلص نفس المرء سالمة
193
وقيل تشرك جسم المرء في العطب
ومن تفكر في الدنيا ومهجته
أقامه الفكر بين العجز والتعب
194
وأنفذ إليه سيف الدولة كتابا بخطه إلى الكوفة يسأله المسير إليه، فأجابه بهذه الأبيات، وأنفذها إليه ميافارقين، وكان ذلك في شهر ذي الحجة سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة:
195
فهمت الكتاب أبر الكتب
فسمعا لأمر أمير العرب
196
وطوعا له وابتهاجا به
وإن قصر الفعل عما وجب
197
وما عاقني غير خوف الوشاة
وإن الوشايات طرق الكذب
198
وتكثير قوم وتقليلهم
وتقريبهم بيننا والخبب
199
وقد كان ينصرهم سمعه
وينصرني قلبه والحسب
200
وما قلت للبدر أنت اللجي
ن ولا قلت للشمس أنت الذهب