تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

محا الذنب كل المحو من جاء تائبا

92

وقال، وقد عرض على سيف الدولة سيوف مذهبة، وفيها سيف غير مذهب فأمر بإذهابه:

أحسن ما يخضب الحديد به

وخاضبيه النجيع والغضب

93

فلا تشيننه بالنضار فما

يجتمع الماء فيه والذهب

94

وتشكى سيف الدولة من دمل فقال فيه:

أيدري ما أرابك من يريب

وهل ترقى إلى الفلك الخطوب

95

وجسمك فوق همة كل داء

فقرب أقلها منه عجيب

96

يجمشك الزمان هوى وحبا

وقد يؤذى من المقة الحبيب

97

وكيف تعلك الدنيا بشيء

وأنت لعلة الدنيا طبيب

98

وكيف تنوبك الشكوى بداء

وأنت المستغاث لما ينوب

99

مللت مقام يوم ليس فيه

طعان صادق ود صبيب

100

وأنت الملك تمرضه الحشايا

لهمته وتشفيه الحروب

101

وما بك غير حبك أن تراها

وعثيرها لأرجلها جنيب

102

مجلحة لها أرض الأعادي

وللسمر المناحر والجنوب

103

فقرطها الأعنة راجعات

فإن بعيد ما طلبت قريب

104

أذا داء هفا بقراط عنه

فلم يعرف لصاحبه ضريب

105

بسيف الدولة الوضاء تمسي

جفوني تحت شمس ما تغيب

106

فأغزو من غزا وبه اقتداري

وأرمي من رمى وبه أصيب

وللحساد عذر أن يشحوا

على نظري إليه وأن يذوبوا

107

فإني قد وصلت إلى مكان

عليه تحسد الحدق القلوب

108

وأحدث بنو كلاب حدثا بنواحي بالس، وسار سيف الدولة خلفهم وأبو الطيب معه، فأدركهم بعد ليلة بين ماءين يعرفان بالغبارات والخرارات فأوقع بهم وملك الحريم فأبقى عليه، فقال أبو الطيب بعد رجوعه من هذه الغزوة - وأنشده إياها في جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة:

بغيرك راعيا عبث الذئاب

وغيرك صارما ثلم الضراب

109

وتملك أنفس الثقلين طرا

فكيف تحوز أنفسها كلاب

110

وما تركوك معصية ولكن

يعاف الورد والموت الشراب

111

طلبتهم على الأمواه حتى

تخوف أن تفتشه السحاب

112

فبت لياليا لا نوم فيها

تخب بك المسومة العراب

113

يهز الجيش حولك جانبيه

كما نفضت جناحيها العقاب

114

وتسأل عنهم الفلوات حتى

أجابك بعضها وهم الجواب

115

فقاتل عن حريمهم وفروا

ندى كفيك والنسب القراب

116

وحفظك فيهم سلفي معد

وأنهم العشائر والصحاب

117

تكفكف عنهم صم العوالي

وقد شرقت بظعنهم الشعاب

118

وأسقطت الأجنة في الولايا

وأجهضت الحوائل والسقاب

119

وعمرو في ميامنهم عمور

وكعب في مياسرهم كعاب

120

وقد خذلت أبو بكر بنيها

وخاذلها قريظ والضباب

121

إذا ما سرت في آثار قوم

تخاذلت الجماجم والرقاب

122

فعدن كما أخذن مكرمات

عليهن القلائد والملاب

123

يثبنك بالذي أوليت شكرا

وأين من الذي تولي الثواب

124

وليس مصيرهن إليك شينا

ولا في صونهن لديك عاب

125

ولا في فقدهن بني كلاب

إذا أبصرن غرتك اغتراب

126

وكيف يتم بأسك في أناس

تصيبهم فيؤلمك المصاب

127

ترفق أيها المولى عليهم

فإن الرفق بالجاني عتاب

128

وإنهم عبيدك حيث كانوا

إذا تدعو لحادثة أجابوا

129

وعين المخطئين هم وليسوا

بأول معشر خطئوا فتابوا

130

وأنت حياتهم غضبت عليهم

وهجر حياتهم لهم عقاب

131

وما جهلت أياديك البوادي

ولكن ربما خفي الصواب

132

وكم ذنب مولده دلال

وكم بعد مولده اقتراب

133

وجرم جره سفهاء قوم

وحل بغير جارمه العذاب

134

فإن هابوا بجرمهم عليا

فقد يرجو عليا من يهاب

135

وإن يك سيف دولة غير قيس

فمنه جلود قيس والثياب

136

وتحت ربابه نبتوا وأثوا

وفي أيامه كثروا وطابوا

137

وتحت لوائه ضربوا الأعادي

وذل لهم من العرب الصعاب

138

ولو غير الأمير غزا كلابا

ثناه عن شموسهم ضباب

139

ولاقى دون ثايهم طعانا

يلاقي عنده الذئب الغراب

140

وخيلا تغتذي ريح الموامي

ويكفيها من الماء السراب

141

ولكن ربهم أسرى إليهم

فما نفع الوقوف ولا الذهاب

142

ولا ليل أجن ولا نهار

ولا خيل حملن ولا ركاب

143

رميتهم ببحر من حديد

له في البر خلفهم عباب

144

فمساهم وبسطهم حرير

وصبحهم وبسطهم تراب

145

ومن في كفه منهم قناة

كمن في كفه منهم خضاب

146

بنو قتلى أبيك بأرض نجد

ومن أبقى وأبقته الحراب

147

عفا عنهم وأعتقهم صغارا

وفي أعناق أكثرهم سخاب

148

وكلكم أتى مأتى أبيه

شرح ديوان المتنبي · الصفحة ٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح ديوان المتنبيص ٥٠