30
إن احتاج إلى الاستظهار بها، ومخاطبة لبعض من في الطريق بتعرف النهج فيها، فإن رأى الأمير أن يجعل من حظوظي الجسيمة عنده تعهد القاضي أبي الحسن بما يعجل رده فإني ما غاب كالمضل الناشد، وإذا عاد كالغانم الواجد، فعل إن شاء الله.
ولما عمل الصاحب رسالته المعروفة في إظهار مساوئ المتنبي، عمل القاضي أبو الحسن كتاب الوساطة بين المتنبي وخصومه في شعره، فأحسن وأبدع، وأطال وأطاب، وأصاب شاكلة الصواب، واستولى على الأمد في فصل الخطاب، وأعرب عن تبحره في الأدب وعلم العرب، وتمكنه من جودة الحفظ، وقوة النقد، فسار الكتاب مسير الرياح، وطار في البلاد بغير جناح.
وقال فيه بعض النيسابوريين البيتين المقدم ذكرهما، ومن شعره:
انثر على خدي من وردك
أودع فمن يقطفه من خدك
ارحم قضيب البان وارفق به
قد خفت أن ينقد من قدك
وقل لعينيك، بنفسي هما
يخففان السقم عن عبدك
وله:
وفارقت حتى ما أسر بمن دنا
مخافة نأي أو حذار صدود
فقد جعلت نفسي تقول لمقلتي
وقد قربوا - خوف التباعد - جودي
فليس قريبا من يخاف بعاده
ولا من يرجى قربه ببعيد
وله يستطرد:
من عاذري من زمن ظالم
ليس بمستحي ولا راحم؟
يفعل بالإخوان أحداثه
فعل الهوى بالدنف الهائم
كأنما أصبح يرميهم
عن جفن مولاي أبي القاسم
وقال يذكر بغداد ويتشوقها:
يا نسيم الجنوب بالله بلغ
ما يقول المتيم المستهام
قل لأحبابه فداكم فؤاد
ليس يسلو ومقلة لا تنام
بنتم فالرقاد عندي سهاد
مذ نأيتم والعيش عندي لمام
فعلى الكرخ فالقطيعة فالشط
فباب الشعير مني السلام
يا ديار السرور لا زال يبكي
بك في مضحك الرياض غمام
رب عيش صحبته فيك غض
وجفون الخطوب عني نيام
في ليال كأنهن أمان
من زمان كأنه أحلام
وكأن الأوقات فيها كئوس
دائرات وأنسهن مدام
زمن مسعد وإلف وصول
ومنى يستلذها الأوهام
كل أنس ولذة وسرور
بعدما بنتم علي حرام
وله في ذلك:
سقى جانبي بغداد أخلاف مزنة
تحاكي دموعي صوبها وانحدارها
فلي منهما قلب شجاني اشتياقه
ومهجة نفس ما أمل ادكارها
سأغفر للأيام كل عظيمة
لئن قربت بعد البعاد مزارها
وله في ذلك:
أراجعة تلك الليالي كعهدها
إلى الوصل أم لا يرتجى لي رجوعها؟
وصحبة أحباب لبست لفقدهم
ثياب حداد يستجد خليعها
إذا لاح لي من نحو بغداد بارق
تجافت جفوني واستطير هجوعها!
وإن أخلفتها الغاديات رعودها
تكلف تصديق الغمام دموعها
سقى جانبي بغداد كل غمامة
يحاكي دموع المستهام هموعها
معاهد من غزلان أنس تحالفت
لواحظها ألا يداوى صريعها
بها تسكن النفس النفور ويغتدي
بآنس من قلب المقيم نزيعها
يحن إليها كل قلب كأنما
يشاد بحبات القلوب ربوعها
فكل ليالي عيشها زمن الصبا
وكل فصول الدهر فيها ربيعها
وله في ذلك:
بجانب الكرخ من بغداد لي سكن
لولا التحمل لم أنفك أندبه
وصاحب ما صحبت الصبر مذ بعدت
دياره وأراني لست أصحبه
في كل يوم لعيني ما يؤرقها
من ذكره ولقلبي ما يعذبه
ما زال يبعدني عنه وأتبعه
ويستمر على ظلمي وأعتبه
حتى أوت لي النوى من طول جفوته
وسهلت لي سبيلا كنت أرهبه
وما البعاد دهاني بل خلائقه
ولا الفراق شجاني بل تجنبه
وله في التخلص:
أوما انثنيت عن الوداع بلوعة
ملأت حشاك صبابة وغليلا؟
ومدامع تجري فتحسب أن في
آماقهن بنان إسماعيلا
وله من قصيدة في الأمير شمس المعالي قابوس بن وشمكير:
ولما تداعت للغروب شموسهم
وقمنا لتوديع الفريق المغرب
تلقين أطراف السجوف بمشرق
لهن وأعطاف الخدور بمغرب
فما سرن إلا بين دمع مضيع
ولا قمن إلا بين قلب معذب
كأن فؤادي قرن قابوس راعه
تلاعبه بالفيلق المتناشب
وله في الصاحب من قصيدة:
وما بال هذا الدهر يطوي جوانحي
على نفس محزون وقلب كئيب
تقسمني الأيام قسمة جائر
على نضرة من حالها وشحوب
كأني في كف الوزير رغيبة
تقسم في جدوى أغر وهوب
وله من قصيدة في الصاحب:
ولا ذنب للأفكار أنت تركتها
إذا احتشدت لم ينتفع باحتشادها
سبقت بأفراد المعاني وألفت