تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أفدي الذي قال وفي كفه

مثل الذي أشرب من فيه

الورد قد أينع في وجنتي

قلت: فمي باللثم يجنيه

ومنه:

يقولون لي فيك انقباض وإنما

رأوا رجلا في موقف الذل أحجما

أرى الناس من داناهم هان عندهم

ومن أكرمته عزة النفس أكرما

وما زلت منحازا بعرضي جانبا

من الذم أعتد الصيانة مغنما

إذا قيل هذا مشرب قلت قد أرى

ولكن نفس الحر تحتمل الظما

وما كل برق لاح لي يستفزني

ولا كل أهل الأرض أرضاه منعما

ولم أقض حق العلم إن كان كلما

بدا طمع صيرته لي سلما

ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي

لأخدم من لاقيت لكن لأخدما

أأشقى به غرسا وأجنيه ذلة؟

إذن فابتياع الجهل قد كان أحزما

ولو أن أهل العلم صانوه صانهم

ولو عظموه في النفوس تعظما

ولكن أذلوه جهارا ودنسوا

محياه بالأطماع حتى تجهما

ومنه:

وقالوا: اضطرب في الأرض فالرزق واسع

فقلت: ولكن مطلب الرزق ضيق

إذا لم يكن في الأرض حر يعينني

ولم يك لي كسب فمن أين أرزق؟

ومنه:

أحب اسمه من أجله وسميه

ويتبعه في كل أخلاقه قلبي

ويجتاز بالقوم العدا فأحبهم

وكلهم طاوي الضمير على حربي

ومنه:

قد برح الشوق بمشتاقك

فأوله أحسن أخلاقك

لا تجفه وارع له حقه

فإنه خاتم عشاقك

وللقاضي عدة تصانيف منها: كتاب تفسير القرآن المجيد، كتاب تهذيب التاريخ، كتاب الوساطة بين المتنبي وخصومه، وفي هذا الكتاب يقول بعض أهل نيسابور:

أيا قاضيا قد دنت كتبه

وإن أصبحت داره شاحطه

كتاب الوساطة في حسنه

لعقد معاليك كالواسطه

ومن شعره:

وما تطعمت لذة العيش حتى

صرت للبيت والكتاب جليسا

ليس شيء أعز عندي من العل

م فلم أبتغي سواه أنيسا!

إنما الذل في مخالطة النا

س فدعهم وعش عزيزا رئيسا

ومن سائر شعره قوله:

إذا شئت أن تستقرض المال منفقا

على شهوات النفس في زمن العسر

فسل نفسك الإنفاق من كنز صبرها

عليك وإنظارا إلى زمن اليسر

فإن فعلت كنت الغني وإن أبت

فكل منوع بعدها واسع العذر

وحدث الثعالبي عن أبي نصر التهذيبي قال: سمعت القاضي أبا الحسن علي بن عبد العزيز يقول: انصرفت يوما من دار الصاحب وذلك قبيل العيد، فجاءني رسوله بعطر الفطر ومعه رقعة بخطه فيها هذان البيتان:

يا أيها القاضي الذي نفسي له

مع قرب عهد لقائه مشتاقه

أهديت عطرا مثل طيب ثنائه

فكأنما أهدي له أخلاقه

قال وسمعته يقول: إن الصاحب يقسم لي من إقباله وإكرامه لي بجرجان أكثر مما يتلقاني به في سائر البلاد، وقد استعفيته يوما من فرط تحفيه بي وتواضعه لي؛ فأنشدني:

أكرم أخاك بأرض مولده

وأمده من فعلك الحسن

فالعز مطلوب وملتمس

وأعزه ما نيل في الوطن

ثم قال: قد فرغت من هذا المعنى في العينية فقلت: لعل مولانا يريد قولي:

وشيدت مجدي بين قومي فلم أقل

ألا ليت قومي يعلمون صنيعي

فقال: ما أردت غيره، والأصل فيه قوله تعالى:

يا ليت قومي يعلمون * بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين

قال الثعالبي: القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز، حسنة جرجان، وفرد الزمان، ونادرة الفلك، وإنسان حدقة العلم، ودرة تاج الأدب، وفارس عسكر الشعر، يجمع خط ابن مقلة إلى نثر الجاحظ، ونظم البحتري: وينظم عقد الإتقان، والإحسان في كل ما يتعاطاه، «وأنشد بيت الصاحب المقدم ذكره» وقد كان في صباه خلف الخضر في قطع عرض الأرض، وتدويخ بلاد العراق والشام وغيرهما، واقتبس من أنواع العلوم والآداب ما صار به في العلماء علما، وفي الكمال عالما، ثم عرج على حضرة الصاحب فألقى بها عصا المسافر، فاشتد اختصاصه به، وحل منه محلا بعيدا في رفعته، قريبا في أسرته، وسير فيه قصائد أخلصت على قصد، وفرائد أتت من فرد، وما منها إلا صوب العقل، وذوب الفضل، وتقلد قضاء جرجان من يده، ثم تصرفت به أحوال في حياة الصاحب وبعد وفاته، من الولاية والعطلة، وترقى محله إلى قضاء القضاة بالري، فلم يعزله إلا موته، رحمه الله تعالى.

وعرض علي أبو نصر المصعبي كتابا للصاحب بخطه إلى حسام الدولة أبي العباس تاش الحاجب، في معنى القاضي أبي الحسن نسخته بعد التصيد والتشبيب: قد تقدم من وصفي للقاضي أبي الحسن علي بن عبد العزيز فيما سبق إلى حضرة الأمير الجليل صاحب الجيش - دام علوه - من كتبي ما أعلم أني لم أؤد فيه بعض الحق، وإن كنت دللته على جملة تنطق بلسان الفضل، وتكشف عن أنه من أفراد الدهر في كل قسم من أقسام الأدب والعلم، فأما موقعه مني: فالموقع الذي تخطبه هذه المحاسن وتوجبه هذه المناقب، وعادته معي ألا يفارقني مقيما وظاعنا ومسافرا وقاطنا، وقد احتاج الآن إلى مطالعة جرجان بعد أن شرطت عليه تصيير المقام كالإلمام. فطالبني مكانه بتعريف الأمير مصدره ومورده؛ فإن عن له ما يحتاج إلى عرضه وجد من شرف إسعافه ما هو المعتاد من فضله؛ ليتعجل انكفاؤه إلي بما رسم - أدام الله أيامه - من مظاهرته على ما يقدم الرحيل ويفسح السبيل من بذرقة

شرح ديوان المتنبي · الصفحة ٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح ديوان المتنبيص ٤٣