تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يا صاحبي تأملا حييتما

وسقى دياركما الملث الرائح

أدمى بدت لعيوننا أم ربرب

أم خرد أكفالهن رواجح

أم هذه مقل الصوار رنت لنا

خلل البراقع أم قنا وصفائح

لم يبق جارحة وقد واجهننا

إلا وهن لها بهن جوارح

كيف ارتجاع القلب من أسر الهوى

ومن الشقاوة أن يراض القارح

لو بله من ماء ضارج شربة

ما أثرت للوجد فيه لواقح

ومن ها هنا يخرج إلى المديح فأضربت عنه خوف الإطالة، ولم يكن المقصود إلا إثبات شيء من نظمه ؛ لتستدل به على طريقته فيه، ومن شعره أيضا:

هل الوجد خاف والدموع شهود

وهل مكذب قول الوشاة جحود

وحتى متى تفني شئونك بالبكا

وقد حد حدا للبكاء لبيد

وإني وإن خفت قناتي كبرة

لذو مرة في النائبات جليد

وفيه إشارة إلى أبيات لبيد بن ربيعة العامري، وهي:

تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما

وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر

فقوما فنوحا بالذي تعلمانه

ولا تخمشا وجها ولا تحلقا شعر

وقولا هو المرء الذي لا صديقه

أضاع ولا خان العهود ولا غدر

إلى الحول ثم اسم السلام عليكما

ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر

وإلى هذا أشار أبو تمام الطائي بقوله:

ظعنوا فكان بكاء حول بعدهم

ثم ارعويت وذاك حكم لبيد

وقال الشريف أبو السعادات المذكور، أنشدني أبو إسماعيل الحسين الطغرائي لنفسه:

إذا ما لم تكن ملكا مطاعا

فكن عبدا لمالكه مطيعا

وإن لم تملك الدنيا جميعا

كما تهواه فاتركها جميعا

هما سببان من ملك وترك

ينيلان الفتى الشرف الرفيعا

فمن يقنع من الدنيا بشيء

سوى هذين عاش بها وضيعا

وكان بين أبي السعادات المذكور وبين أبي محمد الحسن بن أحمد بن محمد بن حكينا البغدادي الحريمي الشاعر المشهور تنافس جرت العادة بمثله بين أهل الفضائل، فلما وقف على شعره عمل فيه قوله:

يا سيدي والذي يعيذك من

نظم قريض يصدا به الفكر

ما لك من جدك النبي سوى

أنك ما ينبغي لك الشعر

وكانت ولادته في شهر رمضان سنة خمسين وأربعمائة، وتوفي يوم الخميس السادس والعشرين من شهر رمضان سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، ودفن من الغد في داره بالكرخ من بغداد، رحمه الله تعالى.

والشجري بفتح الشين المعجمة والجيم وبعدها راء: هذه النسبة إلى شجرة، وهي قرية من أعمال المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وشجرة أيضا اسم رجل قد سمت به العرب ومن بعدها، وقد انتسب إليه خلق كثير من العلماء وغيرهم، ولا أدري إلى من ينتسب الشريف المذكور منهما، هل هو نسبة إلى القرية أم إلى أحد أجداده كان اسمه شجرة؟ والله أعلم.

القاضي الجرجاني

هو أبو الحسن علي بن عبد العزيز بن الحسن بن علي بن إسماعيل الجرجاني، قال ياقوت: كان أريبا أديبا كاملا، مات بالري يوم الثلاثاء لست بقين من ذي الحجة، سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة وهو قاضي القضاة بالري حينئذ، وذكره الحاكم في تاريخ نيسابور وقال: ورد نيسابور سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة مع أخيه أبي بكر، وأخوه إذ ذاك فقيه مناظر، وأبو الحسن قد ناهز الحلم، فسمعا معا الحديث الكبير، ولم يزل أبو الحسن يتقدم إلى أن ذكر في الدنيا،

27

وحمل تابوته إلى جرجان فدفن بها، وصلى عليه القاضي أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد، وحضر جنازته الوزير الخطير أبو علي القاسم بن علي بن القاسم وزير مجد الدولة، وأبو الفضل العارض، راجلين، ووقع الاختيار بعد موته على أبي موسى عيسى بن أحمد الديلمي، فاستدعي من قزوين وولي قضاء القضاة بالري، وله يقول الصاحب بن عباد، وقد أنشأ عهدا للقاضي عبد الجبار على قاضي الري:

إذا نحن سلمنا لك العلم كله

فدعنا وهذي الكتب نحسن صدورها

فإنهم لا يرتضون مجيئنا

بجزع إذا نظمت أنت شذورها

28

وكان الشيخ عبد القاهر الجرجاني قد قرأ عليه واغترف من بحره، وكان إذا ذكره في كتبه تبخبخ به

29

وشمخ بأنفه بالانتماء إليه، وطوف في صباه البلاد وخالط العباد، واقتبس العلوم والآداب، ولقي مشايخ وقته وعلماء عصره، وله رسائل مدونة، وأشعار مفننة، وكان جيد الخط مليحا يشبه بخط ابن مقلة، ومن شعره:

شرح ديوان المتنبي · الصفحة ٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح ديوان المتنبيص ٤٢