تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما النحو فإني لما كنت في ميعة صباي وشرخ شبيبتي وقعت إلى الشيخ أبي الحسن علي بن محمد بن إبراهيم الضرير، وكان من أبرع أهل زمانه في لطائف النحو وغوامضه، وأعلمهم بمضايق طرق العربية وحقائقها، ولعله تفرس في، وتوسم الخير لدي، فتجرد لتخريجي، وصرف وكده إلى تأديبي، ولم يدخر عني شيئا من مكنون ما عنده حتى استأثرني بأفلاذه، وسعدت به أفضل ما سعد تلميذ بأستاذه، وقرأت عليه جوامع النحو والتصريف والمعاني، وعلقت عنه قريبا من مائة جزء في المسائل المشكلة، وسمعت منه أكثر مصنفاته في النحو والعروض والعلل، وخصني بكتابه الكبير في علل القراءة المرتبة في كتاب الغاية لابن مهران، ثم ورد علينا الشيخ أبو عمران المغربي المالكي، وكان واحد دهره، وباقعة عصره، في علم النحو، لم يلحق أحد مما سمعناه شأوه في معرفة الإعراب، ولقد صحبته مدة في مقامه عندنا حتى استنزفت غرر ما عنده، وأما القرآن وقراءات أهل الأمصار واختيارات الأئمة فإني اختلفت إلى الأستاذ أبي القاسم علي بن أحمد البستي - رحمه الله - وقرأت عليه القرآن ختمات كثيرة لا تحصى، حتى قرأت عليه أكثر طريقة الأستاذ أبي بكر أحمد بن الحسين بن مهران، ثم ذهبت إلى الإمامين أبي عثمان سعيد بن محمد الحيري، وأبي الحسن علي بن محمد الفارسي، وكانا قد انتهت إليهما الرياسة في هذا العلم، وأشير إليهما بالأصابع في علو السن ورؤية المشايخ وكثرة التلامذة وغزارة العلوم وارتفاع الأسانيد والوثوق بها، فقرأت عليهما، وأخذت من كل واحد منهما حظا وافرا بعون الله وحسن توفيقه، وقرأت على الأستاذ سعيد مصنفات ابن مهران، وروى لنا كتب أبي علي السفوي عنه

25

وقرأت عليه بلفظي كتاب الزجاج بحق روايته عن ابن مقسم عنه، وسمع بقراءتي الخلق الكثير، ثم فرغت للأستاذ أبي إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي - رحمه الله - وكان خير العلماء بل بحرهم، ونجم الفضلاء، بل بدرهم، وزين الأئمة بل فخرهم، وأوحد الأمة بل صدرهم، وله التفسير الملقب بالكشف والبيان عن تفسير القرآن، الذي رفعت به المطايا في السهل والأوعار، وسارت به الفلك في البحار، وهبت هبوب الريح في الأقطار.

فسار مسير الشمس في كل بلدة

وهب هبوب الريح في البر والبحر

وأصفقت عليه كافة الأمة على اختلاف نحلهم، وأقروا له بالفضيلة في تصنيفه ما لم يسبق إلى مثله، فمن أدركه وصحبه علم أنه منقطع القرين، ومن لم يدركه فلينظر في مصنفاته؛ ليستدل بها على أنه كان بحرا لا ينزف، وغمرا لا يسبر، وقرأت عليه من مصنفاته أكثر من خمسمائة جزء، منها: تفسيره الكبير وكتابه المعنون بالكامل في علم القرآن وغيرهما، ولو أثبت المشايخ الذين أدركتهم واقتبست عنهم هذا العلم من مشايخ نيسابور وسائر البلاد التي وطأتها طال الخطب ومل الناظر، وقد استخرت الله العظيم في جمع كتاب - أرجو أن يمدني الله فيه بتوفيقه - مشتمل على ما نقمت على غيري إهماله، ونعيت عليه إغفاله، لا يدع لمن تأمله حارة في صدره حتى يخرجه من ظلمة الريب والتخمين، إلى نور العلم واليقين، هذا بعد أن يكون المتأمل مرتاضا في صنعة الأدب والنحو، مهتديا بطرق الحجاج، مارحا في سلوك المنهاج، فأما الجذع المرخى من المقتبسين، والريض الكز من المبتدئين، فإنه مع هذا الكتاب كمزاول غلقا ضاع عنه المفتاح، ومتخبط في ظلماء ليل خانه المصباح:

يحاول فتق غيم وهو يأبى

كعنين يريد نكاح بكر

ثم قال بعد كلام: إن هذا الكتاب عجالة الوقت، وقبسة العجلان، وتذكرة يستصحبها الرجل حيث حل وارتحل وإن أنسئ الأجل، وأرخي الطول، وأنظرني الليل والنهار، حتى يتلفع بالمشيب العذار أردفته بكتاب أنضجه بنار الروية، وأردده على رواق الفكرة، وأضمنه عجائب ما كتبته، ولطائف ما جمعته، وعلى الله المعول في تيسير ما رمت، وله الحمد كلما قعدت أو قمت.

شرح ديوان المتنبي · الصفحة ٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح ديوان المتنبيص ٣٤