واختلف إلى كتاب فيه أولاد أشراف الكوفة، فكان يتعلم دروس العلوية
1
شعرا ولغة وإعرابا؛ فنشأ في خير حاضرة، وقال الشعر صبيا، ثم وقع إلى خير بادية - بادية اللاذقية، وحصل في بيوت العرب، فادعى الفضول الذي نبز به، فنمى خبره إلى أمير بعض أطرافها - فأشخص إليه من قيده وسار به إلى محبسه، فبقي يعتذر إليه ويتبرأ مما وسم به، في كلمته التي يقول فيها:
فما لك تقبل زور الكلام
وقدر الشهادة قدر الشهود
وفي جود كفك ما جدت لي
بنفسي ولو كنت أشقى ثمود
وقد هجاه شعراء وقته، فقال الضبي:
الزم مقال الشعر تحظ بقربة
وعن النبوة، لا أبا لك، فانتزح
تربح دما قد كنت توجب سفكه
إن التمتع بالحياة لمن ربح
فأجابه المتنبي:
أمري إلي فإن سمحت بمهجة
كرمت علي فإن مثلي من سمح
وهجاه غيره فقال:
أطللت يا أيها الشقي دمك
بالهذيان الذي ملأت فمك
أقسمت لو أقسم الأمير على
قتلك قبل العشاء ما ظلمك
فأجابه المتنبي:
همك في أمرد تقلب في
عين دواة من صلبه قلمك
وهمتي في انتضاء ذي شطب
أقد يوما بحده أدمك
فاخس كليبا واقعد على ذنب
وأظل بما بين أليتيك فمك
وهو في الجملة خبيث الاعتقاد، وكان في صغره وقع إلى واحد يكني أبا الفضل بالكوفة من المتفلسفة فهوسه وأضله كما ضل، وأما ما يدل عليه شعره فمتلون، وقوله:
هون على بصر ما شق منظره
فإنما يقظات العين كالحلم
مذهب السوفسطائية، وقوله:
تمتع من سهاد أو رقاد
ولا تأمل كرى تحت الرجام
فإن لثالث الحالين معنى
سوى معنى انتباهك والمنام
مذهب التناسخ، وقوله:
نحن بنو الدنيا فما بالنا
نعاف ما لا بد من شربه
فهذه الأرواح من جوه
وهذه الأجسام من تربه
مذهب الفضائية، وقوله في أبي الفضل بن العميد:
فإن يكن المهدي من بان هديه
فهذا، وإلا فالهدى ذا، فما المهدي
مذهب الشيعة، وقوله:
تخالف الناس حتى لا اتفاق لهم
إلا على شجب، والخلف في الشجب
فقيل: تخلد نفس المرء باقية
وقيل: تشرك جسم المرء في العطب
فهذا من يقول بالنفس الناطقة، ويتشعب بعضه إلى قول الحشيشية، والإنسان إذا خلع ربقة الإسلام من عنقه، وأسلمه الله - عز وجل - إلى حوله وقوته، وجد في الضلالات مجالا واسعا، وفي البدع والجهالات مناديح وفسحا. ثم جئنا إلى حديثه وانتجاعه، ومفارقته الكوفة أصلا، وتطوافه في أطراف الشام، واستقرائه بلاد العرب، ومقاساته للضر وسوء الحال، ونزارة كسبه، وحقارة ما يوصل به، حتى إنه أخبرني أبو الحسن الطرائفي ببغداد - وكان لقي المتنبي دفعات في حال عسره ويسره - أن المتنبي قد مدح بدون العشرة والخمسة من الدراهم، وأنشد في قوله مصداقا لحكايته:
انصر بجودك ألفاظا تركت بها
في الشرق والغرب من عاداك مكبوتا
فقد نظرتك حتى حان مرتحل
وذا الوداع، فكن أهلا لما شيتا
وأخبرني أبو الحسن الطرائفي قال: سمعت المتنبي يقول: أول شعر قلته وابيضت أيامي بعده، قولي:
أنا لائمي إن كنت وقت اللوائم
علمت بما بي بين تلك المعالم
فإني أعطيت بها بدمشق مائة دينار ... ثم اتصل بأبي العشائر، فأقام ما أقام ثم أهداه إلى سيف الدولة، فاشترط أنه لا ينشد إلا قاعدا وعلى الوحدة، فاستحملوه وأجابوه إليه. فلما سمع سيف الدولة شعره حكم له بالفضل، وعد ما طلبه استحقاقا.
وأخبرني أبو الفتح عثمان بن جني: أن المتنبي أسقط من شعره الكثير، وبقي ما تداوله الناس ... وأخبرني الحلبي أنه قيل للمتنبي: معنى بيتك هذا أخذته من قول الطائي. فأجاب المتنبي: الشعر جادة، وربما وقع حافر على حافر، وكان المتنبي يحفظ ديواني الطائيين، ويستصحبهما في أسفاره ويجحدهما، فلما قتل توزعت دفاتره، فوقع ديوان البحتري إلى بعض من درس علي، وذكر أنه رأى خط المتنبي وتصحيحه فيه، وسمعت من قال: إن كافورا لما سمع قوله:
إذا لم تنط بي ضيعة أو ولاية
فجودك يكسوني وشغلك يسلب
يلتمس ولاية صيداء. فأجابه: لست أجسر على توليتك صيداء؛ لأنك على ما أنت عليه، تحدث نفسك بما تحدث؛ فإن وليتك صيداء، فمن يطيقك؟!