وسمعت أنه قيل للمتنبي: قولك لكافور:
فارم بي حيثما أردت فإني
أسد القلب آدمي الرواء
وفؤادي من الملوك وإن كا
ن لساني يرى من الشعراء
ليس قول ممتدح ولا منتجع، إنما هو قول مضاد! فأجاب المتنبي إلى أن قال: هذه القلوب، كما سمعت أحدها يقول:
يقر بعيني أن أرى قصد القنا
وصرعى رجال في وغى أنا حاضره
وأحدها يقول:
يقر بعيني أن أرى من مكانها
ذرا عقدات الأجرع المتقاود
ثم أقام المتنبي عند سيف الدولة على التكرمة البليغة: في إسناء الجائزة، ورفع المنزلة، ودخل مع سيف الدولة بلاد الروم، وتأثل حالا في جنبته بعد أن كان حويلة، وكان سيف الدولة يستحب الاستكثار من شعره والمتنبي يستقله ، وكان ملقى من هذه الحال، يشكوها أبدا، وبها فارقه حيث أنشده:
وما انتفاع أخي الدنيا بناظره
إذا استوت عنده الأنوار والظلم
وآخرها:
بأي لفظ يقول الشعر زعنفة
تجوز عندك لا عرب ولا عجم
وقال في أخرى:
إذا شاء أن يلهو بلحية أحمق
أراه غباري ثم قال له الحق!
فلما انتهت مدته عند سيف الدولة استأذنه في المسير إلى أقطاعه؛ فأذن له وامتد باسطا عنانه إلى دمشق، إلى أن قصد مصر فألم بكافور، فأنزله وأقام ما أقام، إلا أن أول شعره فيه دليل على ندمه لفراق سيف الدولة، وهو:
كفى بك داء أن ترى الموت شافيا
وحسب المنايا أن يكن أمانيا
حتى انتهى إلى قوله:
قواصد كافور توارك غيره
ومن قصد البحر استقل السواقيا
وأخبرني بعض المولدين ببغداد، وخاله أبو الفتح يتوزر لسيف الدولة، أن سيف الدولة رسم لي التوقيع إلى ديوان البر بإخراج الحال فيما وصل به المتنبي، فخرجت بخمسة وثلاثين ألف دينار في مدة أربع سنين.
ثم لما أنشد الثانية كافورا خرجت موجهة يشتاق سيف الدولة، وأولها:
فراق، ومن فارقت غير مذمم
وأم، ومن يممت خير ميمم
وأقام على كره بمصر إلى أن ورد فاتك غلام الأخشيدي من الفيوم - وهي وبيئة، فنبت به واجتواها - وقادوا بين يديه في مدخله إلى مصر أربعة آلاف جنيبة منعلة بالذهب؛ فسماه أهل مصر بفاتك المجنون. فلقيه المتنبي في الميدان على رقبة من كافور فقال:
لا خيل عندك تهديها ولا مال
فليسعد النطق إن لم يسعد الحال
فوصل إليه من أنواع صلاته وأصناف جوائزه ما تبلغ قيمته عشرين ألف دينار، ثم مضى فاتك لسبيله، فرثاه المتنبي وذم كافورا:
أيموت مثل أبي شجاع فاتك
ويعيش حاسده الخصي الأوكع!
فاحتال بعده في الخلاص من كافور، فانتهز الفرصة في العيد - وكان رسم السلطان أن يستقبل العيد بيوم، وتعد فيه الخلع والحملانات وأنواع المبار، لرابطة جنده وراتبة جيشه، وصبيحة العيد تفرق، وثاني اليوم يذكر له من قبل ومن رد واستزاد - فاهتبل المتنبي غفلة كافور، ودفن رماحه برا، وسار ليلته، وحمل بغاله وجماله وهو لا يألو سيرا وسرى هذه الليلة مسافة أيام؛ حتى وقع في تيه بني إسرائيل؛ إلى أن جازه على الحلل والأحياء والمفاوز المجاهيل، والمناهل الأواجن، ونزل الكوفة، وقال يقص حاله:
ألا كل ماشية الخيزلى
فدا كل ماشية الهيذبى
وفيها يقول:
ضربت بها التيه ضرب القما
ر: إما لهذا، وإما لذا
ثم مدح بالكوفة دلير بن لشكروز، وأنشده في الميدان؛ فحمله على فرس بمركب ذهب.
وكان السبب في قصده، أبا الفضل بن العميد - على ما أخبرني أبو علي بن شبيب القاشاني - وكان أحد تلامذتي، ودرس علي بقاشان سنة ثلاثمائة وسبعين وتوزر للأصبهبد بالجبل وأبوه أبو القاسم توزر لوشمكير بجرجان - عن العلوي العباسي نديم أبي الفضل بن العميد الذي يقول فيه:
أبلغ رسالاتي الشريف، وقل له:
قدك اتئد أربيت في الغلواء
إن المعروف المطوق الشاشي كان بمصر وقت المتنبي فعمد إلى قصيدته في كافور:
أغالب فيك الشوق والشوق أغلب
وجعل مكان أبا المسك أبا الفضل، وسار إلى خراسان وحمل القصيدة، أعني قصيدة المتنبي إلى أبي الفضل، وزعم أنه رسوله، فوصله أبو الفضل بألفي درهم، واتصل هذا الخبر بالمتنبي ببغداد، فقال: رجل يعطي لحامل شعري هذا، فما تكون صلته لي؟ وكان ابن العميد يخرج في السنة من الري خرجتين إلى أرجان، يجبي بها أربع عشرة مرة ألف ألف درهم. فنما حديثه إلى المتنبي بحصوله بأرجان، فلما حصل المتنبي ببغداد نزل ربض حميد، فركب إلى المهلبي، فأذن له فدخل وجلس إلى جنبه، وصاعد خليفته دونه، وأبو الفرج الأصبهاني صاحب كتاب الأغاني، فأنشدوا هذا البيت: