تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وسار أبو الطيب من واسط قاصدا بغداد في طريقه إلى الكوفة في اليوم السابع عشر من رمضان، وفي ذلك اليوم كتب عنه علي بن حمزة البصري - على روايته - القصيدتين الأخيرتين في شعره.

وبلغ جبل بعد أن قطع زهاء سبعة عشر فرسخا، فنزل عند أبي نصر الجبلي، ثم أخذ طريقه حتى أصبح حيال النعمانية، ثم سار فمر بجرجرايا على أربعة فراسخ من الجنوب الشرقي من دير العاقول، وتقدم بعد ذلك حتى قارب الصافية وبينه وبين بغداد ستة عشر فرسخا، وهنالك خرج عليه فاتك بن أبي جهل الأسدي خال ضبة بن يزيد الذي هجاه أبو الطيب، وكان فاتك في نيف وثلاثين فارسا رامحين وناشبين، ولا ريب أنه كان يتربص لأبي الطيب؛ لينتقم لابن أخته ضبة، وليستولي على ما يحمله معه من ثروة، فقد روي أنه ومن معه كانوا ممن يقطعون طريق الحجاج.

وكان مع أبي الطيب ابنه محسد وغلمانه، وقد وصفهم من قبل في قصيدة رثاء فاتك الميمية، وفي قصيدة توديع ابن العميد، ولا شك أن غلمانه هؤلاء كانوا أقل عددا من عدوهم.

وقاتل الشاعر الشجاع حتى قتل، وقتل ابنه، ويقول صاحب الإيضاح: إنهم «قتلوا كل من معه» وإن كان ذلك يبدو بعيدا، ويروى أن أبا النصر قال : «ولما صح خبر قتله وجهت من دفنه ودفن ابنه وغلمانه، وذهبت دماؤهم هدرا.»

ومن المرجح أن اليوم الذي أودى فيه الشاعر هو يوم الأربعاء الثامن والعشرون من رمضان سنة أربع وخمسين وثلاثمائة هجرية.

وقد رثى أبا الطيب من معاصريه، أبو الفتح عثمان بن جني بقصيدة أولها:

غاض القريض وأودت نضرة الأدب

وصوحت بعد ري دوحة الكتب

2

ورثاه أبو القاسم المظفر بن علي الطبسي بأربعة أبيات رواها الثعالبي في اليتيمة، وأولها:

لا رعى الله سرب هذا الزمان

إذ دهانا في مثل ذاك اللسان

ورثاه ثابت بن هارون الرقي النصراني، وحرض عضد الدولة على عقاب من قتلوه بقصيدة أولها:

الدهر أخبث والليالي أنكد

من أن تعيش لأهلها يا أحمد

وقبل أن نختم سيرة المتنبي، نقول: إنه تزوج بعد سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، ولكنا لا ندري متى تزوج، وكان له عيال حن إليهم في شعره وتشوق للقائهم، وقد ورد في أخبار المتنبي ذكر لابنه محسد، ولم يرد ذكر لغيره، ويرجح أن زوجه كانت من الشام. •••

ذلكم كان أبو الطيب المتنبي، الشاعر الذي خلد مع فنه الخالد وشعره الشاعر، ولا ريب أن القارئ أدرك من مجمل سيرته ما كان يدين به من خلق واضح الحدود، بين المعالم، فقد كان الشاعر - كما يبين في شعره - متكبرا أبيا معجبا بعيد الهمة، وكان شجاعا عظيم الإقدام، وقد سيطرت عليه أخلاقه هذه ولعبت بحياته، فجعلته متعاليا عن شعراء وقته عزوفا عن مسايرتهم في اللهو والمجون ومعاقرة الخمر، وكان كذلك صادق القول صريحه، قال علي بن حمزة: إنه لم يكذب قط، ومن آثار هذا أنه كان ينفر من التكلف ويفضل البداوة على التحضر.

وكان أبو الطيب عدا ذلك، حاقدا على الناس، يحقرهم، ويطوي كشحه لهم على الموجدة والضغينة، وذلك أثر من آثار اعتداده بنفسه وطموحه إلى السؤدد، ثم قصوره عن بلوغ أمله، على أنه - برغم هذا - كان وفيا لأصدقائه محبا لهم متأسيا لفراقهم، جازعا لموتهم، ثم كان في كل هذا حزين الطبع، ثائرا، يتنزى قلبه ألما وحسرة على ما أمل وفشل.

ومما أثر عن المتنبي أنه كان بخيلا، حريصا على المال؛ ليبلغ به غايته، ويستعين به على تحقيق آماله الجسام، وأحلامه الواسعة.

ولا نحسب الشاعر - ولم تسعده الحال في حياته على تحقيق مراده - إلا بالغا المبالغ في مماته، وواجدا فوق ما أمل وأراد، وكفاه خلودا أن يظل على الأيام صاحب الذكر الدائم، الباقي بقاء الضاد.

| هوامش

| ترجمة المتنبي

بقلم أحد معاصريه

وقد استحسنا - لمناسبة كتاب إيضاح المشكل من شعر المتنبي الذي ورد ذكره في هذه السيرة، لمصنفه أبي القاسم عبد الله بن عبد الرحمن الأصفهاني - أن نورد هنا ترجمة هذا الأصفهاني لأبي الطيب المتنبي. قال عبد القادر البغدادي صاحب خزانة الأدب: وهذه ترجمة المتنبي نقلتها من كتاب «إيضاح المشكل لشعر المتنبي من تصانيف أبي القاسم عبد الله بن عبد الرحمن الأصفهاني» وهذا الإيضاح قاصر على شرح ابن جني لديوان المتنبي، يوضح ما أخطأ فيه من شرحه، وهو ممن عاصر ابن جني، وألف الإيضاح لبهاء الدولة بن بويه قال: «وقد بدأت بذكر المتنبي ومنشئه ومغتربه، وما دل عليه شعره من معتقده إلى مختتم أمره، ومقدمه على الملك - نضر الله وجهه - بشيراز وانصرافه عنه، إلى أن وقعت مقتلته بين دير قنة، والنعمانية، واقتسام عقائله وصفاياه ... حدثني ابن النجار ببغداد: أن مولد المتنبي كان بالكوفة في محلة تعرف بكندة بها ثلاثة آلاف بيت، من بين رواء ونساج.

شرح ديوان المتنبي · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح ديوان المتنبيص ٢٥