طوى الجزيرة حتى جاءني خبر
فزعت فيه بآمالي إلى الكذب
حتى إذا لم يدع لي صدقه أملا
شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي
ويروى أن ابن العميد لم يرسل إلى المتنبي ليدعوه، ولكن الذي لا ريب فيه أنه فرح بمقدمه وطرب لمدحه، فذلك كان أملا من آماله، وأمنية من أمنياته المعسولات.
وقد لبث الشاعر شهرين عند ابن العميد، وكان أبو الفضل يقرأ عليه ديوان اللغة الذي جمعه، ويتعجب من حفظه، وغزارة علمه، ومدحه الشاعر بثلاث قصائد، كانت أولاها القصيدة التي مطلعها:
باد هواك صبرت أم لم تصبرا
وبكاك ما لم يجر دمعك أو جرى
وكانت ثانيتها القصيدة التي مدحه بها في النوروز، وهي التي أولها:
جاء نيروزنا وأنت مراده
وورت بالذي أراد زناده
وفيها يتواضع الشاعر ويتحذر، كأنما أحس بأنه يخاطب بها أديبا كبيرا متميزا على غيره من الممدوحين:
وبعد هذه القصيدة - وقبل القصيدة الثالثة - قطعتان قال الشاعر إحداهما حين ورد، كتاب من أبي الفتح بن أبي الفضل ابن العميد، وأولها:
بكتب الأنام كتاب ورد
فدت يد كاتبه كل يد
وثانيتهما قالها يصف مجمرة رآها عند ابن العميد، وأولها:
أحب امرئ حبت الأنفس
وأطيب ما شمه معطس
ثم تأتي بعد ذلك القصيدة الثالثة، التي يودع فيها الشاعر أبا الفضل ابن العميد، وهي التي مطلعها:
نسيت وما أنسى عتابا على الصد
ولا خفرا زادت به حمرة الخد
وما كاد المتنبي - بعد قصيدة الوداع - يتأهب للرحيل إلى أهله بالكوفة حتى جاء ابن العميد كتاب من عضد الدولة في طلب المتنبي، فأنبأه ابن العميد به فقال: ما لي وللديلم؟ فقال أبو الفضل: عضد الدولة أفضل مني، ويصلك بأضعاف ما وصلتك به، فأجاب: بأني ملقى من هؤلاء الملوك أقصد الواحد بعد الواحد، وأملكهم شيئا يبقى ببقاء النيرين، ويعطونني عرضا فانيا، ولي ضجرات واختيارات فيعوقونني عن مرادي فأحتاج إلى مفارقتهم على أقبح الوجوه. فكاتب ابن العميد عضد الدولة بهذا الحديث، فورد الجواب بأنه مملك مراده في المقام والظعن.
وكان عضد الدولة بصيرا بالأدب، له شعر جيد، وكانت دولة بني بويه عامة دولة للأدب العربي، فتولى الوزارة لهم ابن العميد والصاحب والمهلبي.
وسار المتنبي من أرجان، فلما كان على أربعة فراسخ من شيراز استقبله عضد الدولة بأبي عمر الصباغ أخي صاحب كتاب حدائق الآداب، ثم دخل البلد فأنزل دارا مفروشة، ولما نفض غبار السفر واستراح ركب إلى عضد الدولة فتوسط الدار وانتهى إلى قرب السرير فقبل الأرض واستولى قائما، وقال: شكرت مطية حملتني إليك، وأملا وقف بي عليك.
وأنشأ أبو الطيب عند عضد الدولة ست قصائد وأرجوزة وقطعة، وأولى هذه القصائد هي:
أوه بديل من قولتي واها
لمن نأت والبديل ذكراها
وهي التي يعزي بها عضد الدولة في وفاة عمته، وكانت قد توفيت ببغداد، وثانية القصائد هي التي أولها:
مغاني الشعب طيبا في المغاني
بمنزلة الربيع من الزمان
وفيها يحن الشاعر إلى العربية التي افتقدها في فارس فما وجد لها أثرا.
ووصل عضد الدولة الشاعر صلات كثيرة، قدرت بأكثر من مائتي ألف درهم، ولما استأذنه في المسير أمر أن يخلع عليه ويقاد إليه ويوصل بالمال الكثير، وقد ظهر أثر ذلك في شعر المتنبي.
وأقام أبو الطيب في شيراز زهاء ثلاثة أشهر، وقرئ عليه ديوانه، ثم أنشد قصيدة الوداع في شعبان سنة أربع وخمسين، وفيها يطنب في شكر الأمير، ويرغب في الرجوع إليه، ويحن إلى أهله، ثم يتوقع أن شرا سيصيبه في طريقه، وهي القصيدة التي أولها:
فدى لك من يقصر عن مداكا
فلا ملك إذن إلا فداكا
وكان خروج أبي الطيب من شيراز، في الثامن من شعبان، قاصدا بغداد فالكوفة، وسار الشاعر بمراكبه وأحماله وغلمانه حتى بلغ الأهواز، فقطع بذلك واحدا وخمسين فرسخا، ثم سار خمسين فرسخا أخرى حتى بلغ واسط ونزل بها، وبين واسط وبغداد زهاء أربعين فرسخا، كان على الشاعر أن يجتازها قبل أن يصل مدينة السلام، وعلى الطريق إليها بلاد ذكر منها في الروايات التي وردت عن مقتل أبي الطيب: النعمانية، ودير العاقول، والصافية؛ فأما النعمانية فهي في وسط الطريق، وهي قائمة اليوم على الشاطئ الغربي من دجلة، وإلى الجنوب الشرقي من «دير العاقول» وعلى مقربة منه دير قنى أو «قنة» وهو يبعد عن الشاطئ قليلا، وبينه وبين بغداد ستة عشر فرسخا، وأمام دير العاقول «الصافية» وهي على فرسخين جنوب شرقي دير العاقول.