تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يا شيخ أهل العلم فينا ومن

يلزم أهل العلم توقيره

فلم يحفل به المتنبي، وانصرف إلى منزله.

وقد كان الوزير المهلبي راغبا في مدح أبي الطيب، مغيظا محنقا من إغفاله إياه، وقد روي أنه أحضر علي بن يوسف البقال فأنشده في حضرة المتنبي، فقال المتنبي: «ما رأيت ببغداد من يجوز أن يقطع عليه اسم شاعر إلا ابن البقال.»

ولما كان الوزير المهلبي وسيلة الشاعر إلى معز الدولة، فإن الشاعر لم يجد إلى معز الدولة من سبيل، ولم يمدحه تبعا لذلك.

ولم يشأ المهلبي أن ينسى إساءة الشاعر إليه وإغفاله إياه، فأغرى به جماعة من شعراء بغداد، حتى نالوا من عرضه، وتباروا في هجائه، ومنهم ابن الحجاج، وابن سكرة الهاشمي، والحاتمي. فلم يجبهم المتنبي ولا حفل بهم، وقيل له في ذلك، فقال: إني قد فرغت من إجابتهم بقولي لمن هم أرفع طبقة منهم في الشعراء:

أرى المتشاعرين غروا بذمي

ومن ذا يحمد الداء العضالا

ومن يك ذا فم مر مريض

يجد مرا به الماء الزلالا

وقولي:

أفي كل يوم تحت ضبني شويعر

ضعيف يقاويني قصير يطاول

إلى آخر الأبيات.

وقولي:

وإذا أتتك مذمتي من ناقص

فهي الشهادة لي بأني كامل

ومما كان بين أبي الطيب وبين أعوان المهلبي ما حكاه الحاتمي من مناظرته لأبي الطيب ببغداد، ولا ريب أن الحاتمي كذب في ذلك على خصمه، وبالغ في دعواه إرضاء للمهلبي، وقد قال ياقوت عن الحاتمي هذا: إنه كان مبغضا لأهل العلم، وفي الفترة التي أقامها الشاعر ببغداد، قرئ عليه ديوانه وسمعه جماعة، منهم علي بن حمزة البصري، وابن جني، والقاضي أبو الحسن المحاملي.

وشاء الله أن يعاود قلب الشاعر الكبير الحنين إلى الأمير العربي الجليل سيف الدولة بن حمدان، فإنه لما سمع سيف الدولة بخروج أبي الطيب من مصر مراغما كافورا، وبلوغه الكوفة، كاتبه معرضا برجوعه إلى حلب، ثم أهدى إليه هدايا متعاقبة. فأجابه أبو الطيب في شوال سنة اثنتين وخمسين بقصيدته التي مطلعها:

ما لنا كلنا جو يا رسول

أنا أهوى وقلبك المتبول

وفيها يبين حزن الشاعر، ومعاودته مدح الأمير الهمام، وقد قالها لما بلغه خروج سيف الدولة - وهو مريض - للقاء الروم، ورجوعهم عن غزو طرسوس.

ثم توفيت أخت سيف الدولة الكبرى في جمادى الثانية سنة اثنتين وخمسين، وورد العراق خبرها، فقال الشاعر في شعبان قصيدته:

يا أخت خير أخ يا بنت خير أب

كناية بهما عن أشرف النسب

فكان لهذا الرثاء أبلغ الأثر في نفس سيف الدولة، فأرسل إلى الشاعر هدية ومالا وأمانا بخطه وكتابا يستدعيه، فكتب أبو الطيب في ذي الحجة سنة ثلاث وخمسين قصيدته التي مطلعها:

فهمت الكتاب أبر الكتب

فسمعا لأمر أمير العرب

وبعد أن عاد الشاعر إلى الكوفة ولبث فيها عاود الذهاب إلى بغداد، في طريقه إلى فارس قاصدا ابن العميد، وقد بارح بغداد للمرة الثانية في صفر سنة أربع وخمسين، وذلك بعد مبارحته لها في المرة الأولى بسنة وخمسة أشهر، وقد أخذ طريق الأهواز وبها لقيه التنوخي، وبلغ أرجان في الشهر نفسه. فلما أشرف عليها وجدها ضيقة البقعة والدور والمساكن؛ فضرب بيده على صدره، وقال: تركت ملوك الأرض يتعبدون بي، وقصدت رب هذه المدرة فما يكون منه؟ ثم وقف بظاهر المدينة، وأرسل غلاما على راحلته إلى ابن العميد، ودخل عليه، وقال: مولاي أبو الطيب خارج البلد، فثار من مضجعه ثم أمر حاجبه باستقباله. فركب واستركب من لقيه في الطريق، فتلقوا الشاعر وقضوا حقه وأدخلوه البلد، فدخل على أبي الفضل بن العميد فقام له، وطرح له كرسي عليه وسادة ديباج، وقال أبو الفضل: كنت مشتاقا إليك يا أبا الطيب.

وقد أفرد أبو الفضل له دارا نزلها، وكان يغشى أبا الفضل كل يوم ويؤاكله، وابن العميد هذا - كما لا يخفى - هو الأديب الكبير أبو الفضل ابن العميد، وزير عضد الدولة، وقد كان أبو الفضل ناقما على الشاعر من قبل لأنه لم يمدحه، وكان يريد أن يخمل ذكره، حتى إنه ليروى أن بعض أصحابه دخل عليه يوما قبل دخول المتنبي فوجده واجما - وكانت أخته قد ماتت - فظنه واجدا لأجلها، فسأله الخبر، فقال: إنه ليغيظني أمر هذا المتنبي واجتهادي في أن أخمل ذكره، وقد ورد علي نيف وستون كتابا في التعزية ما منها إلا وقد صدر بقوله:

شرح ديوان المتنبي · الصفحة ٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح ديوان المتنبيص ٢٣