تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومما كان له أثر بين في خيبة الشاعر في أمله في كافور، أنه لم يشأ أن يمدح الوزير ابن الفرات، كما مدحه شعراء آخرون؛ ليكون له عونا يساعده على بلوغ غايته ومبتغاه، وكان الوزير ابن الفرات هذا، وزيرا خطيرا من أسرة وزراء، ومحدثا أديبا ميالا لأهل العلم والأدب.

وكان أبو الطيب في آخر مقامه بمصر، يود الرحيل ويبغي الفكاك من ذلك النطاق المضروب، فلقد طالما ردد ذلك في قصائده، ولقد طالما تبرم بمطل كافور وضاق به ذرعا ... ولكن كافورا كان يمسكه عن الرحيل، ويضع حوله العيون.

وليس خافيا أن كافورا - لما نزل الشاعر بمصر - أنزله دارا، وأغدق عليه من ماله وأغرقه في عطائه، وقد حسب أن ذلك يكفيه، فلما طالبه الشاعر بولاية أو ضيعة، وعده إجابة طلبه، ثم خاف كافور الشاعر، حين أدرك علو نفسه، ولمس بعد أمانيه، وعلم ما حفل به ماضيه من حبس وادعاء النبوة ... وما إلى ذلك، وقد أدرك القارئ أن الشاعر بدأ يستعجل الوعد، ويندد بالمماطلة، بعد بقائه بمصر ثلاثة أشهر ليس غير، وأدرك كذلك أنه سكت عن مديح كافور - بعد أن قال قصيدة شبيب والقصيدة الأخرى الأخيرة - سنة وشهرين، وأنه ذكر الرحيل في شعره مرات عدة، كأنما كان كافور يحرص على ألا يفلته، ابتغاء مدحه من ناحية، واتقاء هجوه من أخرى ... بل إنه لمن الثابت أن كافورا منعه عن الرحيل منعا، ففي هجاء الشاعر له من بعد ما ينطق بذلك في صراحة وبيان، وجاء في شرح المعري وشروح أخرى: أن الشاعر كتب إلى كافور يستأذنه في المسير إلى الرملة؛ ليتنجز مالا بها، وأراد أن يعرف رأيه في مسيره؛ فأجابه: لا، والله، أطال الله بقاءك، لا نكلفك المسير، ولكن ننفذ رسولا يأتيك به، فلما قرأ الجواب قال أبياته التي أولها:

أتحلف لا تكلفني مسيرا

إلى بلد أحاول فيه مالا

ولما ضاق صدر الشاعر الكبير بذلك الذي لقيه بمصر، ولم يطق بعده اصطبارا، رحل إلى الكوفة رحيل هارب لا رحيل مودع مشيع، فلم يعد له ما يتعزى به بعد وفاة أبي شجاع فاتك، الذي اتخذه صديقا مؤنسا طوال مدة بقائه بمصر بعد سكوته عن مديح كافور، وكانت وفاة فاتك في شوال سنة خمسين وثلاثمائة، وقد لبث الشاعر بعدها شهرين يدبر لرحيله، جاء في شرح المعري وشروح أخرى: «وقد أعد كل ما يحتاج إليه على مر الأيام في لطف ورفق، ولا يعلم به أحد من غلمانه، وهو يظهر الرغبة في المقام، وطال عليهم التحفظ، فخرج ودفن الرماح في الرمل، وحمل الماء على الإبل في الليل من النيل لعشر ليال، وتزود لعشرين.»

وفي ليلة عيد الأضحى قال الشاعر قصيدته الحزينة الثائرة التي مطلعها:

عيد بأية حال عدت يا عيد

بما مضى أم لأمر فيك تجديد

وقد هجا فيها كافورا هجاء مرا، وعرض بإمساكه إياه عن الرحيل.

وقد انتهز أبو الطيب غفلة كافور، وانشغاله بالعيد، وبما يصحب العيد من سنن، وهم بأخذ طريقه التي بيت سلوكها، ولما اجتاز أبو الطيب بلبيس نزل على عبد العزيز بن يوسف القيسي فأضافه وأكرمه وسيره، وقد كتب إليه الشاعر أبياته التي أولها:

جزى عربا أمست ببلبيس ربها

بمسعاتها تقرر بذاك عيونها

وكان الشاعر يعرف عبد العزيز من قبل، وله فيه أبياته الثلاثة التي أولها:

لئن مر بالفسطاط عيشي فقد حلا

بعبد العزيز الماجد الطرفين

ولا ريب في أن كافورا ثار لما بلغته القصيدة التي قالها الشاعر ليلة العيد، ولا ريب كذلك أنه غضب لرحيله، وتوجس خيفة من هجائه المر الذي سوف يلاحق بعضه بعضا، ويقول بعض الرواة: إن كافورا أتبع الشاعر بالخيل والرجل، وكتب إلى عماله؛ ليسدوا عليه الطرق.

وعبر أبو الطيب بموضع يعرف بنجة الطير حتى خرج إلى مساء يعرف بنحل بعد أيام، فلقي عنده في الليل ركبا وخيلا صادرة عن كافور فأخذهم وتركهم، ولما قرب من النقاب رأى رائدين لبني سيلم على قلوصين، فركب الخيل وطردهما حتى أخذهما، فذكرا له أن أهلهما أرسلوهما رائدين، فلما أمنهما استبقاهما ورد عليهما متاعهما، وسار معهما حتى توسط بيوت بني سليم آخر الليل، فأكرمه ملاعب بن أبي النجم وذبح له، ثم غدا فسار إلى النقع فنزل ببادية من معن وسنبس، وهناك أكرمه عفيف المعنى وذبح له. ثم غدا من عنده فسار يومه وبعض ليلته، وعند الصباح دخل حسمى، وهي أرض طيبة خصبة، وبها جبال شاهقة.

شرح ديوان المتنبي · الصفحة ٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح ديوان المتنبيص ٢٠