وفي أثناء ذلك أيضا اتصل المتنبي بأبي شجاع فاتك الملقب بالمجنون، وقد كان روميا، وأسر وربي في فلسطين، ثم اغتصبه كافور من سيده بالرملة بلا ثمن فأعتقه صاحبه، فكان معه في عدة المماليك، كريم النفس، حر الطبع، بعيد الهمة، ويقول المعري: إنه كان في أيام كافور مقيما بالفيوم، أنفة من الأسود، وحياء من الناس أن يركب معه، وأنه مرض وأحوجته العلة إلى دخول مصر فدخلها، وأن أبا الطيب لم يتمكن من عيادته على أن فاتكا كان يسأل عنه ويراسله بالسلام، وأنه لما لقي أبا الطيب في الصحراء أهداه هدية قيمتها ألف دينار ذهبا، ثم أتبعها هدايا بعدها، ويقول ابن خلكان: إن الفيوم كان إقطاعا لفاتك، وإن أبا الطيب كان يسمع بكرمه وشجاعته، ولا يستطيع أن يقصده خشية كافور، ثم استأذن كافورا في مدحه فأذن له، ويروى أن ذلك كان بعد استقرار ما بين فاتك والأستاذ كافور.
ويظهر أن الشاعر لم يرغب في مدح فاتك - مع ما بينه وبين كافور من المنافسة - إلا ليأسه من أبي المسك، وقد مدح أبو الطيب فاتكا في جمادى الثانية سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة بقصيدته:
لا خيل عندك تهديها ولا مال
فليسعد النطق إن لم يسعد الحال
وفي هذه القصيدة تعريض بكافور.
ثم عاود أبو الطيب مدح كافور، بعد أن انقطع عن ذلك ستة عشر شهرا كاملة، وبعد أن قال قصيدة الحمى التي تقدم ذكرها، وبعد أن تعرض لكافور في مدح فاتك، ويرى بعض المؤرخين أن عودة أبي الطيب إلى مديح كافور كانت خارجة عن إرادته، فقد طالبه كافور بذلك فلم يستطع إلا إجابته، وقد يكون تطلع كافور إلى مدح الشاعر قد أحيا في نفسه الرجاء فعاد يلقي آخر سهم، وينفض عن نفسه اليأس والإشفاق من أن يخيب، وأما القصيدة فهي:
منى كن لي إن البياض خضاب
فيخفى بتبييض القرون شباب
وفيها يتحدث الشاعر عن نفسه وعن آماله، وعن وعد كافور له في غالب أبياتها، ويمدحه فيها باثني عشر بيتا.
ثم بقي أبو الطيب بمصر بعد هذه القصيدة سنة وشهرين دون أن يمدح كافورا فما كان يلقاه إلا أن يركب فيسير معه في الطريق؛ لئلا يوحشه، وكان الشاعر ضيف كافور مدة مقامه في مصر، فكان ذلك هو الصلة بينهما بعد انقطاع الشاعر عن مدحه وحضور مجلسه.
وواضح غاية الوضوح من شعر المتنبي في كافور، أنه لم يكن يبغي منه مالا فحسب، بالغا ما بلغت قيمة ذلك المال، وإنما كان يبغي ضيعة أو ولاية كما تقدم، يقول:
إذا لم تنط بي ضيعة أو ولاية
فجودك يكسوني وشغلك يسلب
ولو أنه كان يطلب المال لأعطاه كافور فوق ما أعطاه، ألوفا مؤلفة، ونحسب أن كافورا لم يدر بذهنه أن يقطعه هذا الذي يريد، وإن كان يعده ويمطله فذلك شيء من التلطف والمداجاة، وقال بعض الشراح: إنه قال لأبي الطيب: «أنت في حال الفقر وسوء الحال وعدم المعين سمت نفسك إلى النبوة، فإن أصبت ولاية وصار لك أتباع فمن يطيقك؟» ولا نخاله قال ذلك، وإن كان من السهل أن يفكر فيه، ويقول بعض الشراح أيضا: إن كافورا كان ينوي إقطاعه ما يريد، وقد حلف له بذلك، ولكن أمورا بدرت من الشاعر لم تلق رضاه، منها: أنه ذكر سواده في قصائده، وكان كافور يكره ذلك غاية الكراهة، ولا نظن ذلك سببا معقولا، فقد ذكر الشاعر سواد الممدوح في مواضع طرب لها كافور واهتز لها، وكان ذلك منذ أول عهد الشاعر بمدحه، فلو أدرك منه امتعاضا من هذا؛ لما كرره في قصائده بعد ذلك.
وليس بعيدا أن يكون كافور كره من الشاعر إلحاحه في طلبه، ومداومته على التذكير بالوعد في لغة يصح أن تسمى توبيخا وتأنيبا، فصح في عزمه ألا ينيله طلبته، ثم إن تمادي الشاعر في أشباه ذلك، ورثائه لشبيب في القصيدة التي تقدم ذكرها، وتعريضه بكافور في قصيدة الحمى، ومدحه لفاتك، كل أولئك كان سببا في أن يخيب أمل الشاعر في بغيته، وأن يجعل بينه وبينها سدا، وكانت صراحة المتنبي وعلو نفسه، يأبيان له إلا أن يقول ما يجول بخاطره، فلم يشأ إلا أن يقول ما قال، داخلا في نطاق التوبيخ، لا الاستعطاف والطلب الذليل.