تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان بنو فزارة شاتين بها، فنزل الشاعر بقوم من عدي فزارة، وطاب له المقام فلبث شهرا. ثم ظهر له فساد عبيده - وكان كافور قد كتب لمن حوله من العرب ووعدهم - فأنفذ رسولا إلى فتى بني فزارة ثم من بني مازن، وهم قوم يؤثر عنهم رعاية الجوار. ثم سار إليه في الليل، والقوم لا يعلمون رحيله، ولا يشكون أنه يريد البياض فأخذ طريق البياض حتى بلغ رأس الصوان قتوقف، وأنفذ رسولا إلى عرب بين يديه، وأراد أحد عبيده أن يخونه فضرب أبو الطيب وجهه بالسيف، وأمر الغلمان فقطعوه، وفي ذلك العبد قال أبو الطيب:

أعددت للغادرين أسيافا ... ... ... إلخ

ويقول ارتجالا في هجاء وردان:

إن تك طيئ كانت لئاما

فألأمهم ربيعة أو بنوه

إلى آخر الأبيات.

وكان رسول أبي الطيب قد عاد إليه وليس معه خبر عن العرب التي طلبها، فسار على بركة الله إلى دومة الجندل، وذلك لإشفاقه من أن تكون عليه عيون بحسمى تعلم أنه يريد البياض، وورد الشاعر البويرة بعد ثلاث ليال، ولما توسط الشاعر بسيطة - وهي أرض بقرب الكوفة - رأى بعض عبيده ثورا، فقال: هذه منارة الجامع، ونظر آخر إلى نعامة، فقال: هذه نخلة، فضحك أبو الطيب وقال:

بسيطة مهلا سقيت القطارا

تركت عيون عبيدي حيارى

إلى آخر الأبيات.

وورد العقدة بعد ليال، واجتاز ببني جعفر بن كلاب وهو بالبرية فبات فيهم، ثم دخل الكوفة في شهر ربيع الثاني سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة.

ولم يسلك أبو الطيب من مصر إلى الكوفة الطريق المعهودة، فقد سار «على الحلل والأحياء والمفاوز المجاهيل والمناهل الأواجن» كما يقول صاحب الإيضاح، وهو بذلك يؤيد ما ادعى في شعره من الجرأة والدربة على الأسفار بالليل والنهار.

وكانت أولى قصائد الشاعر في الكوفة هي التي أولها:

ألا كل ماشية الخيزلى

فدى كل ماشية الهيدبى

وقد عدد فيها المواضع التي مر بها في سيره، وفخر، وهجا كافورا ... وقد استغرقت رحلته من الفسطاط إلى الكوفة ثلاثة أشهر، وكان رجوع الشاعر الفحل إلى بلده ومسقط رأسه بعد غيبة طويلة عدتها ثلاثون سنة.

ولم يستطع الشاعر - وقد بارح الديار المصرية - أن ينسى صديقه أبا شجاع فاتك، ولا أن يحرر قلبه من التحسر عليه والأسى لفقده، ولم يستطع كذلك إلا أن يفيض نقمة على كافور وكراهة وبغضاء، وقد رثى فاتكا في ثلاث قصائد. أنشأ أولاها بعد خروجه من مصر، وأولها:

الحزن يقلق والتجمل يردع

والدمع بينهما عصي طيع

وأنشأ ثانيتها في الكوفة، وقد أخرج تفاحة من الند عليها اسم فاتك، وأولها:

يذكرني فاتكا حلمه

وشيء من الند فيه اسمه

وأنشأ الثالثة سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة، بعد خروجه من بغداد، وأولها:

حتام نحن نساري النجم في الظلم

وما سراه على خف ولا قدم

وشاء الشاعر أن يهجو كافورا أقذع الهجاء، وأن يطلق من صدره جذوة مشتعلة من النقمة البالغة، وذلك لأنه لم ينل عنده ما يبتغي، ولأنه وعده فأخلفه، ولأنه حبسه عن الرحيل، ولأنه - في كل ذلك - أهله لشماتة الأعداء والحاسدين.

وقد ضمن الشاعر ثلاث قصائد - تضمنت أغراضا أخرى - هجاء كافور وهي قصيدة العيد التي تقدم ذكرها، والقصيدة التي وصف فيها سيره من مصر إلى الكوفة، والقصيدة العينية التي رثى بها فاتكا، وقد تقدم ذكرهما أيضا. ثم ضمن هجاءه كذلك، القطعة التي رثى بها فاتكا حين أذكرته به تفاحة الند.

وخصص الشاعر غير ذلك - لهجاء كافور - ست قطع فيها أربع وأربعون بيتا. منها القطعة التي أولها:

أريك الرضا لو أخفت النفس خافيا

وما أنا عن نفسي ولا عنك راضيا

ومنها القطعة التي أولها:

أنوك من عبد ومن عرسه

من سلط العبد على نفسه

ومنها القطعة التي أولها:

وأسود أما القلب منه فضيق

نخيب وأما بطنه فرحيب

وقد نظمت في شوال سنة خمسين وثلاثمائة.

ومنها القطعة التي أولها:

لو كان ذا الآكل أزوادنا

ضيفا لأوسعناه إحسانا

شرح ديوان المتنبي · الصفحة ٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح ديوان المتنبيص ٢١