إذا كسب الناس المعالي بالندى
فإنك تعطي في نداك المعاليا
وغير كثير أن يزورك راجل
فيرجع ملكا للعراقين واليا
وفي الشهر التالي قال أبو الطيب قصيدته الثانية يهنئ بها كافورا بدار بناها، وهي التي أولها:
إنما التهنئات للأكفاء
ولمن يدنى من البعداء
وأنا منك لا يهنئ عضو
بالمسرات سائر الأعضاء
وتلك كانت طريقة المتنبي في المدح، لا يغفل نفسه والإشادة بها، وإشراكها مع الممدوح فيما يغدق عليه من صفات طيبات.
وفي هذه القصيدة يقول الشاعر:
وفؤادي من الملوك وإن كا
ن لساني يرى من الشعراء
ويقول المعري: «ولما أنشده أبو الطيب حلف ليبلغه جميع ما في نفسه، وإنه لأكذب ما يكون إذا حلف.»
ثم بعد شهرين، قال أبو الطيب يمدح الأستاذ أبا المسك كافور قصيدته:
من الجآذر في زي الأعاريب
حمر الحلى والمطايا والجلابيب
وفيها يقول أيضا:
إلى الذي تهب الدولات راحته
ولا يمن على آثار موهوب
ثم أنشد الشاعر كافورا في عيد الأضحى قصيدته الرابعة:
أود من الأيام ما لا توده
وأشكو إليها بيننا وهي جنده
وفيها بين الشاعر عن آلام نفسه؛ لأنه قصر عما يبتغيه، وبدأ بالشكوى الخفية والبينة من مطل أبي المسك، ولا ريب أن كافورا كان قد وعد الشاعر فعلا بولاية، فهو هنا يستنجزه وعده، ويسأله أن يجربه فيقول:
ووعدك فعل قبل وعد لأنه
نظير فعال الصادق القول وعده
ثم بعد ثلاثة أشهر من ذلك قال الشاعر قصيدته الخامسة، وكان فرس المتنبي قد جرح فحزن عليه، فتبين كافور ذلك وأرسل له فرسا أدهم، وأول القصيدة:
فراق ومن فارقت غير مذمم
وأم ومن يممت خير ميمم
وفي هذه القصيدة يعاود الشاعر مدح سيف الدولة، وذكر الحمدانيين بالخير، كأنما ضاق بكافور ووعده، وفي آخرها يقول:
ولو كنت أدري كم حياتي قسمتها
وصيرت ثلثيها انتظارك فاعلم
ثم قال الشاعر بعد ذلك قصيدة حكمية مدح فيها كافورا، وذلك إثر شقاق كان بين أبي المسك وبين الأمير أنوجور انتهى بالصلح.
على أن حال أبي الطيب لا يطيب لها أن تسير في طريق واحدة أو تستقر على وتيرة، فها هو يمل انتظار بغيته، ويطفح الكيل فلا يستطيع اصطبارا، وها هو يقول - بعد أن أرسل إليه أبو المسك ستمائة دينار ذهبا عسى أن تلهيه عن رجائه - قصيدته:
أغالب فيك الشوق والشوق أغلب
وأعجب من ذا الهجر والوصل أعجب
وذلك في عيد الفطر سنة سبع وأربعين وثلاثمائة؛ أي بعد مقام الشاعر بمصر سنة وشهرين، وفي هذه القصيدة - كما يبين من الديوان - يندم أبو الطيب على مبارحته سيف الدولة وقصده كافورا، ويعتب فيها على سيف الدولة وعلى بني حمدان، ثم يختمها بمدح كافور؛ لعلمه بأنها ستبلغه وإن لم ينشده إياها.
وهنا أخذت النفرة بين الرجلين مظهرا واضحا، فقد سكت الشاعر عن المديح، بعد أن كان يواصل قصائده غير وان ولا متمهل، ثم يضطر بعد ذلك لإنشاده، وذلك أن كافورا كان قد ولى شبيبا العقيلي الخارجي عمان والبلقاء وما يليها، فخرج على كافور وسار إلى دمشق في جيش كثيف ودخل المدينة، وفي غمرة من الهرج والمرج ألفى شبيب ميتا، فارتاع جيشه، وهرب جنده وتفرقوا، ولم يعرف الناس كيف مات، وجاءت الأخبار مصر فطالب كافور أبا الطيب بأن يذكر هذا في شعره؛ فقال قصيدته التي مطلعها:
عدوك مذموم بكل لسان
وإن كان من أعدائك القمران
وذلك في جمادى الثانية سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة، وإنك لواجد - من قراءة القصيدة - أن الشاعر الذي سكت عن مدح أبي المسك ثمانية أشهر، ثم لقيه في هذه القصيدة، لم يكن مادحا، وإنما كان كمن يقصد الهجاء، وكأنما أراد أن يؤبن القتيل ويرثيه بدل أن يغتبط لمقتله.
ثم انقطع المتنبي بعد هذه القصيدة المريبة عن مدح أبي المسك سنة وأربعة أشهر، وأصابته في أثناء ذلك حمى فقال قصيدته:
ملومكما يجل عن الملام
ووقع فعاله فوق الكلام
وقد عرض فيها بكافور، وبخله، ومنعه عن الرحيل عن مصر، وأعجب بها أهل مصر برغم أنها ساءت كافورا لما بلغته.